كرب ما بعد الصدمة المعقد: من النجاة إلى الازدهار: دليل التعافي من صدمة الطفولة، بيت والكر

بعد أن أستعرضنا في مقال سابق، أنواع مُقدمي الرعاية الأربع للأطفال، وأنواع الاعتداءات العشر التي قد تصيبهم. نستعرض في هذه المقالة موضوع كتاب Complex PTSD: From Surviving to Thriving: A Guide and Map for Recovering from Childhood Trauma لمؤلفه الطبيب بيت والكر. يركز الكتاب على كرب ما بعد الصدمة المعقد وعلاقته بصدمات الطفولة.

يتكون الكتاب من جزئين، يتضمن الجزء الأول من خمسة فصول؛ أنواع الصدمات النفسية، مُقدمة في التداوي، التي تضمنت تحتها مفاهيم من قبيل اليقظة، والذكاء العاطفي، والناقد الذاتي، وعلاقته بالخطاب الذاتي السلبي المُسبب للشعور بالعار والخزي، ومفاهيم إعادة التربية الذاتية. وفي الجزء الثاني جائت النقاط الأساسية في التداوي، التي جاء في إثرها التداوي من الصدمات، وأنواعها، وطرق معالجة الناقد الذاتي والخارجي على السواء، والتعبير الصحي عن الألم والمعاناة، من وجهة النظر الحيوية العصبية، وأخيرًا مرجع أنشطة الأدوات المساعدة على التداوي.

بدأ الكتاب بداية مع اتجاهاته المتشككة لسلطة التصنيف، والتشخيص الخاطئ، وقولبة التصنيف النفسي، وكيف أن هذا الأمر في معظم الحالات لا يخدم الناجي من الاعتداء في وصفه وشرح حالته، بأي شكل من الأشكال، وهذا ما نشهد واقعه خلال مسيرة تطور مؤسسات الطب النفسي.

إذ أنه إلى فترة قريبة كانت انتهاجات العلاج النفسي تقتصر إلى حد كبير على الأدوية الكيميائية أو الصعق أو العزل بالمستشفيات وأمور أخرى لا ترقى للأسلوب العلمي. وُثّق العديد من الأدباء والفلاسفة مشاهداتهم لتلك الانتهاجات، مثل الأديبة والشاعرة الأمريكية سيلفيا بلاث، وميتشيل فوكو، أحد الفلاسفة الفرنسيين بكتابه تاريخ الجنون. ومن هنا تحديدًا تظهر أهمية وقوة العلم كوسيلة لتطوير وتحسين حياة الفرد واستصلاحها.

عمل طبيب النفس الأمريكي آرون تي بيك في منتصف الستينيات، على تأسيسيه للعلاج المعرفي السلوكي في علم النفس، بعد أن لاحظ أن الأدوية الكيميائية لا تأتي بنتائج دائما مع مرضاه، أو أن مرضاه لا يستمرون فيها غالب الوقت أو لا تناسبهم، أخذًا بالاعتبار بالأعراض الجانبية إلي تحدث، وأمور أخرى قلصت من فائدة الأدوية الكيميائية.

من هنا، عمل آرون على تطويره لعلم النفس المعرفي السلوكي، الذي تكمن فكرته في أن عدد غير قليل من التشوهات المعرفية السلوكية التي ننتهجها بشكل لاواعي وتلقائي، والتي يختبرها الجميع ويكون لها تأثير سلبي على طريقة تفاعلنا وتجاربنا حينما تكون في حالات متطرفة، إنما هي داخلية المصدر وقادمة من أفكارنا التي لها التأثير الأكبر على عواطفنا. تركز فكرة العلاج المعرفي السلوكي بعلم النفس، على ان أفكارنا وأخطالنا العقلية وطرق معالجتنا المعرفية للأمور، إنما هي عامل مهم في صحة أو تدهور الصحة العقلية، بالفعل عامل كيمياء الدماغ وموصلاته العصبية تؤخذ بالحسبان كذلك في نطاقات معينة.

 لم تكن فكرة العلاج المعرفي السلوكي جديدة بالكامل على كل حال. إذ ظهرت قبل فكرة العلاج المعرفي السلوكي، وتحديدا في 1889 الفلسفة الظاهرتية أو الفينمولجوية. يكمن جوهر هذه الفلسفة على قيامها على انها وسيلة لتدارس طبيعة إدراكاتنا ومستقبلاتنا، وجاء علم النفس المعرفي السلوكي مُطبقًا لأفكارها. يكمن الفرق الرئيسي بين الفلسفة الظاهرتية وعلم النفس المعرفي السلوكي، إلى انها تدرس طبيعة مستقبلات حواسنا وإدراكاتنا، ومصدر إسقاطاتنا بشكل عام، لكن علم النفس المعرفي السلوكي ساعد بتحديد بعض هذه الإدراكات أو التصورات الغير سليمة، أو الأعراض الجانبية التي تحدث لنا، نتيجة تبنينا لهذه التصورات الخاطئة.

لتركيز هذا الكتاب على غرض صدمات الطفولة، كان من الضروري معالجة وطرح نظرية التعلق Attachment theory، والتي تتطور تزامنًا، مع علاقتنا مع والدينا. هذه النظرية وحدها، تحمل معها الكثير من الفوائد الكثيرة؛ بسبب التفسير الذي تقدمه حول أنماط التعلق لدينا، التي لها تأثيرها الكبير على الحياة اليومية، وكذلك على الطريقة التي نرتبط بها أحدنا مع الآخر. على الرغم من أنه لم يتم تقديم هذه النظرية بكثير من التفاصيل، أو العمق في هذا الكتاب، على الرغم من ذلك، فإنني أوصي بشدة بالتدارس المعرفي لهذه النظرية وآثارها على الفرد.

هناك الكثير من المصادر العلمية والمرجعية لهذه النظرية؛ مثل مدرسة التنمية الشخصية، وهي إحدى الأكاديميات التعليمية والمرخصة في مجال العلاج المعرفي السلوكي، إلى جانب قناة علم النفس في سياتل أيضًا، والتي تعالج هذه النظرية كذلك، بتشعباتها المعقدة.

يركز الكتاب بشكل أكبر على آلية التأقلم للناجين من الاعتداء، وطريقة استجابتهم للتهديد، من خلال (نموذج 4F) القائم عللى نظرية الكر والفر الخاصة بوالكر كانون وأنواعها الأربعة الرئيسية في الاستجابة للصدمة؛ القتال، الهروب، التجمد، المواجهة، وكذلك أنواعه الفرعية الثلاثة:

  • المقاتل التزليفي؛ الممرض الخارق

عادةً ما يُرى نوع استجابة المقاتلون التزليفين في الوالد المشغول أو الممرضة أو المساعد الإداري الذي يعمل من الفجر حتى وقت النوم لتوفير احتياجات المنزل أو المستشفى أو الشركةإنه يعتني بشكل إلزامي باحتياجات أي شخص آخر دون لفتة ذاتيه تجاهه نفسهأحيانًا ما يكون سلوك المقاتلون التزليفين نوعا من أنواع التزلف المضلل، كما عند الأم تيريزا، التي تتجاهل ألمها من خلال رؤيتها لنفسها على أنها مقدّمة رعاية مثالية ونزيهة، وتنأى بنفسها عن ألمها عن طريق الاندفاع الوسواس قهري في مساعدتها لشخص محتاج إلى آخرتصبح بعض سلوكيات المقاتلون التزليفين إدمانية، مثل الوسواس القهري الخاص بالنظافة

  • التجمد الظبي: كبش الفداء

عادةً ما يكون التجمد الظبي هو النوع الفرعي الأكثر تماسكًاليست كل أكباش الفداء متجمدة، ولكن نظرًا لأن كلا من أنواع التزلف والتجمد عرضة لإنكار شديد للذات، ينتهي الأمر بالعديد في وضع كبش الفداءهذا أيضًا لأن هذين هما أصحاب السلوكيات الأكثر سلبية من بين ال F 4. إذ قد واجه كلاهما قدرًا كبيرًا من العقوبة أو الرفض لتأكيد أنفسهم في مرحلة الطفولة.

  • المقاتل الظبي: أم خنق

يُشخص خطأ المُقاتل المتزلف أحيانًا على أنه اضطراب في الشخصية الحدية [BPD]. هذا لأن المقاتل المتزلف يمكن أن يكون شديد الحساسية تجاه عاطفتهم أثناء تذكرهم لذكريات الماضيعندما ينفجرون في حالة من الذعر من الشعور بالتخلي العاطفي، فإنهم يشعرون باليأس من الحب ويمكن أن يتأرجحوا بشكل كبير بين التملص من أجله أو التذمر من أجلهومع ذلك، ليس لديهم النرجسية الأساسية لذوي الشخصية الحديّة التي نظرنا إليها في الفصل السابقتمييز آخر بين هذين النوعين هو أن نوع المُقاتل التزليفي، الذي يبحث عن علاقة حميمة حقيقيةهم الأكثر تهجنٌ علائقي والأكثر عرضة لإدمان الحبإنهم يتناقضون مع فجر القتال الذي هو أكثر إدمانًا للإفراج الجسدي، وبالتالي أكثر عرضة للإدمان على الجنس.

نصف الرحلة نحو التعافي الذاتي تكمن في الفهم الأساسي للكيفية التي تعمل فيها عقولنا، وطبيعة انفعالاتنا الإنسانية. أستعرض والكر جزء من كتابه السابق “التاو والغفران” وتاو هو مفهوم صيني جاء عن الفلسفة الطاوية الصينية:

من الطبيعي تمامًا أن تتغير المشاعر بشكل غير متوقع على امتداد استمرار تنوع قطبيتنا العاطفية على هذا النحو، فمن الصحي بمجال أن يكون هناك تقلبات قصوى في المزاج بين السعادة والحزن، والحماس والتجهم، والمحبة والغضب، والثقة والشك، والشجاعة والخوف، والتسامح واللوم. لسوء الحظ، فإنه في هذه الثقافة تتم الموافقة أو السماح فقط بالقطبية “الإيجابية” لأي تجربة عاطفية. يمكن أن يتسبب هذا في تجنب القطبية “السلبية”، مما يؤدي إلى حالتين مؤلمتين على الأقل. يؤدي الإحجام عن المشاركة في مثل هذا المجال الأساسي للتجربة البشرية إلى خسارة كبيرة لا داعي لها. لأنه كما أنه بدون الليل لا يوجد نهار، وبدون عمل لا يوجد لعب، وبدون جوع لا يوجد الشبع، وبدون خوف لا توجد الشجاعة، وبدون الدموع لا يوجد الفرح، وبدون غضب لا يوجد الحب حقيقي.

 أهم الأفكار والمفاهيم بعلم النفس المعرفي السلوكي، والذي جاء على ذكرها والكر، ما يُسمى باليقظة- Mindfulness وتهدف إلى ترسيخ نوع من اليقظة أو الاستنارة الآنية وشيء من الشعور والوعي باللحظة الراهنة التي ننتهجها أثناء ملاحظتنا ومراقبتنا لأفكارنا وعواطفنا، بدون انفعال أو تشنج إطلاق الأحكام، الذي يسبب تشوهات معرفية.

يبدو أن الفلاسفة الهنود قديمًا، قد استدركوا النهج المعرفي الصحيح فيما يتعلق بالنهج العقلي للفرد، وذلك من خلال الفلسفة واليوجا والتأمل، الذي يمكن من خلالها امتلاك هبات الاستبطان والانعكاس الذاتي للنفس، وهذا هو موضوع اليقظة في علم النفس الحديث في القرن التاسع عشر الذي جاء على ذكره والكر قائلا:

اليقظة

اليقظة هي منظور يربط قدرتك على مراقبة الذات مع غريزة التعاطف مع الذات. لذلك فهي قدرتك على مراقبة نفسك من وجهة نظر موضوعية وقبول الذات. إنها وظيفة أساسية للأنا المطورة بشكل صحي وتوصف أحيانًا بأنها الأنا المراقبة أو الذات الشاهدة. اليقظة الذهنية هي منظور الفضول الحميد حول كل تجاربك الداخلية. يتعزز التعافي بشكل لا يقاس من خلال تطوير عملية الاستبطان المفيدة هذه. عندما تصبح أكثر تطورًا، يمكن استخدام اليقظة للتعرف على المعتقدات ووجهات النظر التي اكتسبتها من عائلتك التي تعاني من الصدمة وعدم التعرف عليها.

 العكس من حالة اليقظة والوعي تلك، هي التشوهات المعرفية السلوكية إلي ننتهجها بشكل لاواعي وتلقائي وتأخذ زمامها أصواتنا الداخلية.

أُستعرضت فكرة التشوهات المعرفية العشرة في كتاب ديف Feeling Good الذي يُستخدم كثيرًا في العلاج المعرفي السلوكي، والذي يستند إلى بحث أجراه عالم النفس آرون تي بيك. في تناوله لأكثر التشوهات المعرفية Cognitive Distortions التي قد يتعرض لها الفرد:

1. التفكير القطعي؛ كل شيء أو لا شيء
أن يرى المرء الأشياء في قطبية الأبيض والأسود. إذا كان أداء المرء أقل من الكمال، فإنه يرى نفسه قد فشل فشلا ذريعا.

2. عامل التصفية الذهني
أن يختار المرء أحد التفاصيل السلبية ويركز عليها بشكل محدد، حتى تصبح رؤيته للواقع مظلمة، مثل قطرة الحبر التي تغير لون كأس الماء بأكمله.

3. القفز إلى الاستنتاجات
أن يقوم المرء بالتفسير السلبي للأمور، على الرغم من عدم وجود حقائق محددة تدعم استنتاجاته بشكل مقنع.

• قراءة الافكار. 

أن يستنتج المرء بشكل تعسفي إلى أن شخصًا ما يتفاعل معه بشكل سلبي، ولا يكلف نفسه عناء التحقق من ذلك.

• خطأ العرّاف. 

أن يتوقع المرء أن الأمور ستسير بشكل سيء، ويشعر بالاقتناع بأن توقعه حقيقة مثبتة بالفعل.

4. التفكير العاطفي
أن يفترض المرء أن مشاعره السلبية تعكس بالضرورة الطريقة التي تسير بها الأمور بالفعل: “أشعر بذلك، لذلك يجب أن يكون هذا صحيحا”.

5. الوسم والتسمية الخاطئة:
هذا شكل متطرف من الإفراط في التعميم. بدلاً من وصف خطأ الفرد، يمكنك إرفاق تسمية سلبية لنفسك: “أنا فاشل”

 6. التعميم المفرط
أن يرى الفرد حدثًا سلبيًا واحدًا كنمط لا منتهي من الهزيمة.

7. تنحية الإيجابي
أن يرفض المرء التجارب الإيجابية بالإصرار على أنها “لا تُحتسب” لسبب أو لآخر. بهذه الطريقة، يمكنه الحفاظ على اعتقاده السلبي الذي يتعارض مع تجاربه اليومية.

8. التضخيم أو الاستصغار:
أن يبالغ الشخص في أهمية الأشياء (مثل أخطائه أو إنجازات شخص آخر). أو أن يقوم باستصغار الأشياء بشكل غير لائق حتى تظهر صغيرة (مثل صفاته الحميدة أو عيوب زميله الآخر). وهذا ما يسمى أيضًا “خدعة مجهر”.

9. العبارات الشرطية
أن يحاول المرء تحفيز نفسه بعبارة “يجب”، أو “لا يجب” كما لو كان هذا السلوك دافعًا للجلد الذاتي، وحافز لمعاقبة الذات قبل أن يمكننا أن نتوقع من الفرد أن يأتي بشيء من تلك  “الضرورات”.

النتيجة العاطفية هي الشعور بالذنب. عندما تتحدث بشكل مباشر تجاه الآخرين، فإنك تشعر بالغضب والإحباط والاستياء.

10. الشخصانية:
أن يرى الفرد نفسه كسبب لحدث سلبي لم يكن مسؤولاً عنه في الواقع.

لم يستعرض بيت جميع التشوهات المعرفية العشرة، لكنه ذكر بشكل طفيف (عقلية الكل أو لا شيء) التي تؤدي في معظم الحالات إلى ميول الكمالية، التي تقتل الاتصال الإنساني الودود، وتستبدله بميول تحكمية تملُّكية، مما يؤدي إلى النقد، وهو الجوهر الأساسي للناقد الذاتي الداخلي، أو الناقد الذاتي أيضًا:

من خلال هذه العملية التي تستغرق الكثير من الوقت والجهد، لكننا مع ذلك نصبح أكثر وعيا بهذا العنصر المعين من الحكمة، عند التعامل مع النكبات الحياتية والعقلية للفرد والطريقة التي نواجه بها الألم بشكل عام، والمعنى الذي نقيده على تجاربنا.  لربما هذا ما تعلمنا إياه فلسفة تاو الصينية، وهذا الآخر ما يحاول الفلاسفة الرواقيون تحقيقه من خلال تحمل عبء المشاق، تجاه أنفسهم، دون شفقة على الذات أو بتبني عقلية الضحية. ويبدو حتى الآن أنه هدف الذكاء العاطفي؛ أي التهدئة الذاتية والتعاطف مع الذات والقبول الذاتي. يستشهد والكر  بأشهر كتاب لدانيال عن الذكاء العاطفي حين أعرب:

 

الذكاء العاطفي

إن تعلم التفكير، عن طريق الشعور، لهو نوع من أنواع الطرق والحالات التي تخلق استجابات صحية ومفيدة ومناسبة للمشاعر. إذ أن ردود الأفعال تلك بحد ذاتها، لبِقة بشكل مميز لنفسها ولمن تكون معه. كتب دانيال جولمان في كتابه، الذكاء العاطفي، أن هذه سمة أساسية من سمات الذكاء العاطفي. ومع الممارسة المستمرة لهذه المهارة، يعمل التفريغ اللفظي على موازنة نصفي الفص الأيمن والأيسر من الدماغ، بحيث أنه كلما تم زيادة نشاط فص الدماغ الأيمن بشكل مفرط أثناء حلقات “الفلاش باك”، يكون الدماغ الأيسر أيضًا مندمجًا بشكل كامل، ويمكن رؤية هذا النشاط العقلي في التصوير بالرنين المغناطيسي.

يركز والكر كذلك على أهمية دور اليقظة الروحية للشخص، وأهميتها في رحلة التداوي والمعافاة النفسية، وذلك بسبب أهميتها في تدعيم إحدى الإحتياجات الإنسانية لدينا؛ أي احتياج اليقينية، ووجود المعنى، والانتماء وأهمية الاتصال الروحي لما يتجاوز فردانياتنا، وحدودنا الشخصية، التي يفقدها المرء حينما يكون مُعرضًا لاعتداءات الطفولة التي تتسبب في إحدى الجوانب الرئيسية لاكتئاب الهجر، المرتبط بكرب ما بعد الصدمة المعقد، وذلك بسبب انعدام شعورنا بالانتماء إلى الإنسانية أو الحياة أو أي شخص أو أي شيء على وجه الخصوص.

اليقظة الروحية

أحد الجوانب الرئيسية لاكتئاب الهجر المرتبط بكرب ما بعد الصدمة المعقد، هو انعدام شعورنا بالانتماء إلى الإنسانية أو الحياة أو أي شخص أو أي شيء. لقد التقيت بالعديد من الناجين الذين لاح لهم بصيصهم الأول من “الانتماء” خلال مهمةٌ بدأت كمسعى روحي. إذ أنهم لم يجدوا شيئًا سوى الخيانة في عالم البشر، مما أدى بهم ألى أن لجأوا إلى الروحانية طلبًا للمساعدة. تتغذى المساعي الروحية للفرد أحيانًا بأملٍ لاواع لإيجاد شعور بالانتماء. إذ أن أسوأ شيء يمكن أن يحدث للطفل هو أن يكون غير مرحب به في عائلته الأصلية – ألا يشعر أبدًا بالاندماج. علاوة على ذلك، فإن العديد من الناجين من الاعتداء لديهم خبرة قليلة أو معدومة في أي مجال اجتماعي يشعرون فيه بالأمان والترحيب. كما أن العديد من الناجين لا يجدون شعورًا بالانتماء إلى الأديان التقليدية أو المنظمة. إذ الانتماء إلى مُنظمات الدين التقليدية تذكرهم كثيرًا بعائلاتهم المفككة. يتطلع بعض الناجين إلى مساعٍ روحية أكثر انفرادية، ويجدون شعورًا بالانتماء في شيء أكبر من ذواتهم، وأكثر راحة من خلال قراءة الكتب الروحية أو في التأمل. هذا يسمح لهم أيضًا بتجاوز خطر الاتصال البشري المباشر. الناجون الآخرون لديهم تجارب روحية في الانتماء إلى شيء أعظم وجدير بالاهتمام من خلال التواجد في الطبيعة أو الاستماع إلى الموسيقى أو من خلال تقدير الفنون. إذ أن التجربة المُهيبة – numinous experience تلك هي شعورنا المؤثر والقوي بالعافية النفسية، مصحوبًا بإحساس وجود قوة خيّرة وحميدة وراء الكون، وكذلك داخل أنفسنا. هذا بدوره يجلب أحيانًا معه ما يكفي من التقدير، بحيث يكون لدى الفرد شعورًا عميقًا بأن الحياة تستحق العناء بشكل أساسي، وأنه ينتمي إلى هذه الحياة، وأن الحياة هِبة.

يستعرض بيت العديد من آليات المواجهة الأخرى، مثل إعادة الأبوة والأمومة، من خلال تقديمنا لأنفسنا الاحتياجات الإنسانية التي لم نتلقاها من والدينا، مثل القبول، والحب، والانتماء واليقينية. وعمل الطفل الداخلي، من خلال تقديم الرأفة والشفقة والرحمة والتعاطف مع أنفسنا. وإدارة الناقد الداخلي والخارجي على السواء، والتعبير عن عاطفة المرء من خلال البكاء، أو التعبير، العاطفي بشتى صوره، كما توصل علماء الأعصاب إلى أن التعرض للضعط والتوتر أو الإجهاد الأمثل تتمثل فيه بعض الفوائد كما كالتالي:

الإجهاد الأمثل

توصلت أحدث الأبحاث في علم الأعصاب إلى أننا في الواقع بحاجة إلى قدر ضئيل من التوتر في حياتنا. هذا النوع من الإجهاد يسمى الإجهاد الأمثل. الإجهاد الأمثل هو المقدار المتوازن والمتوسط من الإجهاد الذي يبدو أنه ضروري لتنمية الخلايا العصبية والوصلات العصبية الجديدة التي ترتبط بالحفاظ على صحة الدماغ. تظهر الأبحاث أنه مثلما يؤدي الإجهاد المفرط إلى حدوث حالة كيميائية حيوية تؤدي إلى إتلاف الخلايا العصبية في الدماغ، فإن الإجهاد القليل جدًا يؤدي إلى ضمور الخلايا العصبية القديمة والموت وعدم استبدالها. هذا هو السبب في أن التعلم مدى الحياة معترف به على نطاق واسع باعتباره أحد الممارسات الأساسية اللازمة لتجنب مرض الزهايمر. في رأيي، التعافي مدى الحياة هو مجموعة فرعية سامية من التعلم مدى الحياة. أعتقد أنه يمكن  الوصول إلى الإجهاد الأمثل في كثير من الأحيان عندما نمارس السلوكيات التي تعالج اعتقادات النمو لدينا. تتضمن الأمثلة على ذلك قراءة كتب المساعدة الذاتية، أو حضور ورش عمل تحسين الذات، أو العمل على اكتشاف الذات بشكل أعمق من خلال كتابة اليوميات، أو بذل الجهد في أجل أن تكون أكثر مصداقية وأصالة في جلسة علاجية أو علاقة إنسانية متطورة.

أما فيما يتعلق بطرق الإستجابة والتعافي من أذى الاعتداء الجسدي، أو الجنسي للناجي، وما يُخلفه وراءه من زعزعة للأمان الفيزيائي والجسدي للشخص، والقلق الذي يُخلفه الأمر على طبيعة ثقة الفرد بالآخرين، أو توجسه من التواصل الجسدي، أو اللمس. يُشير بيت والكر هنا عن أهمية العلاج الجسدي – somatic therapy وذلك عن طريق ممارسة الأنشطة والتمارين التي تخفف من التوتر، مثل الإستطالة، اليوجا، أو تمارين.

هناك أيضًا العديد من العلاجات الجسدية التي يمكن أن تساعد أجسامنا على الشفاء. كما هو الحال مع تعليقاتي السابقة حول العلاج المعرفي السلوكي، أشجعك على توخي الحذر من الأساليب الجسدية التي تدعي شفاء كرب ما الصدمة المعقد، دون العمل على المستويات المعرفية والعاطفية الموضحة أعلاه. في الواقع، ترفض بعض المقاربات العمل المعرفي بشكل شامل بطريقة تتجنب العمل الحاسم المتمثل في تقليص النقد الداخلي. تعتقد بعض الأساليب أيضًا أن تقنياتهم تقضي على الضرورة الأساسية للحزن على صدمات الطفولة، وفهم كيف أن الأبوة المسيئة والإهمال هي أصل مشاكلنا، ومع ذلك، يمكن لبعض المعالجين الجسديين تخفيف الصدمات الفسيولوجية التي تُحبس في أجسادنا، طالما أن الممارس لا يرفض أو يعيق عمل النشاط المعرفي والعاطفي. في هذا السياق، أعتقد أن تقنيات مثل EMDR [معالجة إزالة حساسية حركة العين] والتمارين الجسدية هي أدوات قوية جدًا لتقليل الإجهاد. وهي مفيدة بشكل خاص في حل اضطرابات ما بعد الصدمة البسيطة. ومع ذلك ، فهي ليست علاجات كاملة لـ Cptsd ، ما لم يكن الممارس انتقائيًا بما يكفي لدمج النقد الداخلي وعمل الحزن على صدمات الطفولة. تشمل التقنيات الجسدية المفيدة الأخرى عمل Rosen Work و Rolfing و Rebirthing و Reichian. يمكن أن تكون هذه التقنيات مفيدة جدًا أيضًا في المساعدة على استعادة القدرة على التعبير الفسيولوجي العلاجي، للتعبير عن كل من الدموع والغضب. بالنسبة للناجين من الاعتداء الجسدي و/أو الجنسي، أعتقد أن Rosen Work مفيد بشكل خاص. لقد وجدت أن تركيز Rosen Work على اللمسة الناعمة ساعد في شفاء استجابة Cptsd المفاجئة لللمسة الجسدية. الاستجابة المفاجئة هي الجفلة المفاجئة للجسم بالكامل التي يعاني منها الناجون عند حدوث ضوضاء عالية أو اتصال جسدي غير متوقع. هذا عادة ما يكون ذكريات جسدية عن الانتهاكات السابقة.

 قدم بيت مفاهيم أساسية للغاية تجاه رحلة التعافي الذاتي، والتي هي رحلة تفاعلية مشتركة، بين تركيبة المرء النفسية ومسؤوليته وعقليته لمساعدة ذاته، من خلال وعيه الذاتي وصحوته العقلية، وبين تفاعل المرء مع العالم الخارجي من الأشخاص والأشياء على السواء، من محتوى علمي، وتعليمي، وكيف نتلقى الأمور ونعالجها، ونتفاعل معها، ومرورًا بعلاقتنا واتصالاتنا وتبادلنا المودة والتواصل ذا المصداقية والشفافية مع الآخرين، لما يمده هذا لنا بالدعم المعنوي، والقبول، والمودة. فالدعم الاجتماعي، كما توصلت إليه دراسة هارفرد الممتدة لثلاثون عامًا، مُتدارسين مصادر السعادة ومسبباتها، وجودت هناك علاقة قوية بين مستوى سعادة الفرد، وجودة صِلاته الاجتماعية، وهذا أشار إليه بيت، مرارًا وتكرارًا على مدار كتابه:

أعتقد أن معظم الناس، إذا فكروا في الأمر، فإنهم يدركون أن أفضل أصدقائهم هم أولئك الذين لديهم كان لديهم خلافات معهم ووجدوا طريقة للتعامل معها. إذ أنه بمجرد أن تنجو الصداقة من خطأ خاطئ مؤلم، فهذا يعني عمومًا أنها انتقلت إلى علاقة الصداقة العادلة اللطيفة

في كثير من الأحيان كل ما يحتاجه الشخص هو التعاطف والقبول وفرصة للتنفيس اللفظي. علاوة على ذلك، تحتاج بعض الحالات المزاجية إلى الوقت لحلها، بالإضافة إلى حب الناس عندما يشعرون بالسوء، وهذا الأخير هو نوع قوي من أنواع العناية.

محتوى معظم كتب علم النفس الحديثة في الوقت الحاضر يتكون مما يقارب من 60٪ من استعراض للحوارات وجلسات التداوي المعرفي السلوكي المتبادلة بين الطبيب ومراجعيه، و30٪ من المعلومات العلمية والمرجعية لما يتعلق بالموضوع، أما  نسبة الـ 10٪ الباقية فهي عبارة عن استراتيجيات وآليات للتكيّف، والتي أجدها شخصيًا متكلفة، لكن هذه هي الطريقة التي تعمل بها معظم أنشطة العلاج السلوكي المعرفي.

يحمل خطاب هذا الكتاب، شيئًا من المسحة الشخصية، لأن والكر ليس مجرد طبيب براجماتي فحسب، بل هو نفسه أحد الناجين من الاعتداء العائلي، وكذا نقرأ تجربته على طول الكتاب. ولما أدرك والكر تعقيد الأمر، وحساسيته، أخذ على نفسه عاتق تأليف هذا الكتاب، ومؤلفات أخرى في ذات المجال، لما لم يُجدي معه العلاج النفسي التقليدي نفعًا، وهذا ما أعرب عنه في المقدمة:

إن التداوي من كرب ما بعد الصدمة المعقد، هو قبل كل شيء معقد. من المهم التأكيد على هذا لأن هناك العديد من المقاربات ذات البُعد الواحد للصدمة التي تعتبر نفسها علاجًا لكل شيء. ومع ذلك، وفي رأيي، فإن الأساليب الفردية غير قادرة على معالجة جميع مستويات الجرح التي تتحد لتسبب كرب ما بعد الصدمة المعقد. علاوة على ذلك، فإن العمل مع الأساليب المبسطة يمكن أن يترُكك عالقًا في خزي سام عندما لا تحقق النتائج التي تم الترويج لها. لهذا كنت متحمسًا لكتابة هذا الكتاب في جزء كبير منه، بسبب المرات العديدة التي غرقت فيها إلى مستويات جديدة من ازدراء الذات عندما لم تداويني آخر ترياقات العلاج النفسي.

أفضل ما يمكن للفرد فعله هو اكتساب تلك النهوج المعرفية السليمة، من خلال الطقوس والعادات الشخصية، والوعي الذاتي المتجذر بعمق وداخليًا في عقلية الشخص نفسه. في هذه الحالة، تعتبر القراءة والكتابة والتعبير الذاتي، عن وجهات النظر، والصوت الداخلي والهوية للمرء، أمورٌ مهمة للغاية في رحلة التداوي الذاتي. إذ تعتبر القراءة إحدى الأنشطة المعرفية التي يعتبرها علماء النفس كإحدى وسائل التداوي، المسماة Bibliotherapy.

قد لا يجد الحاظي على شيء من الذكاء العاطفي واليقظة الروحية، والمطلع على أهم مبادئ الفلسفة الهندية وأفكارها في التأمل واليوجا، الكثير من المحتوى العلمي الذي يقدم بيت هنا. إذ يقتبس بيت الكثير من التحليل النفسي الفرويدي البراجماتي، والذي لا يرقى لفهم الذات الجوانية، بشكل أعمق، كما في علم النفس الفينومينولوجي أو الوجودي. على الرغم من أن تجربة الطبيب الشخصية قد لونت جزءً من استعراضه ومعالجته لبعض من المواضيع الحساسة التي عالجها في كتابه، ألا إن القراءة النقدية دائما موضع حاجة.

اترك تعليقًا

Please log in using one of these methods to post your comment:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s