سؤال الصمت، مارلين غوريس، 1982

ترجمة لمقالة الصمت والضحكات، في موقع another gaze screen

تُعرف الكاتبة، ومخرجة الأفلام الدنماريكية، مارلين غوريس، بشهرتها في هولندا، وفي بعض الأوساط الأخرى، ومنها أوساط السينما العالمية، كواحدة من أشهر صانعي الأفلام النسوية، ذات الصوت المهم، والأكثر إثارة للجدل، وبدون تقديم اعتذارات، وقد حصلت جوريس على اعترافها الدولي الخاص في مجالها عن فلمها Antonia’s Line, 1995 الذي فاز بجائزة الأوسكار لعام 1995 لأفضل فيلم أجنبي، وهو تصوير لعدة أجيال من النساء الهولنديات. 

يبتدأ الفلم بوقوع جريمة قتل بالفعل، وقد تم احتجاز النساء الثلاثة المُتهمين جميعن في المشهد الافتتاحي للفلم. لا يحاولن هؤلاء النساء مقاومة الاعتقال أو إنكار تورطهن، لكن أثناء المحاكمة وفي الفترة التي تسبقها، يرفضن التحدث إلى أي شخص عن ملابسات الجريمة.
بُني الفلم بناء كبيرًا على فلاشباك Flashback لذكريات هؤلاء النساء من الماضي، حتى يبدأ المشاهد تدريجيًا في التعرف على حياة هؤلاء النساء.


كانت كريستين مولينار ربة منزل مع ثلاثة أطفال مزعجين.  وفي وقت ما، قبل وقوع جريمة القتل، كانت قد أمسكت عن الكلام.  علق زوجها عن الأمر قائلا أنه “لم يكن لديها الكثير لتقوله” لإنه اعتقد أيضًا أنه كان ينبغي عليها إبقاء الأطفال أكثر هدوءً، حتى يتمكن من الاسترخاء عندما يعود إلى المنزل من العمل، معتبرا أنها “ليس لديها أي شيء تفعله طوال اليوم”.

ثم هناك آني جونغمان، وهي مطلقة تعيش مع قطتها وتخدم طاولات الزبائن في مقهى في جوردان، الذي كان آنذاك إحدى ضواحي الطبقة العاملة في أمستردام.  على النقيض من صمت كريستين، فإن آني صاخبة بشكل مثير للاشمئزاز، مع ضحكها الذي لا يكاد يتجاوز السطح من تصنعه، ولكن مقارنة بتصوير حياة منزل كريستين العائلية على أنها هادئة بلا هوادة، نجد آن، على أي حال، تغرق في ذكرياتها مؤرقة عن زواجها السابق التي تبدأ في التدفق والتسلل لها بمجرد أن تجد نفسها وحيدة في صمت.

المرأة الثالثة المتورطة هي أندريا بروير، التي عملت كسكرتيرة تنفيذية في شركة، مرؤوسها جميعهم من الرجال، حيث أدى مستوى كفاءتها العالي إلى تفاقم الازدراء المتعالي الذي كانت تواجهه، نتيجة التميز الجندري.

في البداية، كانت جميع النساء معزولات في ظروف متفاوتة من الصمت. إبان انتظار القتلة الثلاثة المحاكمة، تم تكليف طبيبة نفسية عينتها المحكمة اسمها الدكتورة جانين فان دن بوس، بإصدار تقارير نفسية عنهم.

يقدم الفيلم في البداية الدكتور فان دن بوس على أنها امرأة مستقرة من الطبقة الوسطى “نجحت” في عالم يهيمن عليه الرجل.  إذ قد تمت دعوتها لإبداء رأيها الخبير داخل النظام القضائي؛ إذ أن لها من السلطة ما يخولها إلى أن تُسمع، وتتحدث، أو هكذا يبدو الأمر.  ولكن من خلال لقاءاتها مع هؤلاء النساء، أدركت أنها فقط “لها صوت” فقط عندما تتحدث بما يريد الرجال من حولها سماعه.

تم تجاهل الدكتورة فان ورفضها باعتبارها غير قادرة على الموضوعية في حكمها، بل وقعت ضحية السخرية منها، لاهتمامها بالتفاهات، والتحدث عنها، والصراخ – بل قد دُست الكلمات، نيابة عنها من قبل الآخرين في فمها، وهي طريقة أخرى لضمان عدم الاستماع إلى ما تقوله بالفعل.

تحاول الطبيبة فان إجراء المقابلات، لكنها تجاهد من أجل إحراز تقدم.  آني مفرطة في الثرثرة، وتبتعد باستمرار عن الموضوع، بينما تظل كريستين منعزلة بشكل غامض.  في غضون ذلك، تتعامل أندريا مع اللغة كموقع للعب، حيث يمكن أن تتدفق كلماتها بسهولة مثل كلمات آني، ولكنها تكون غامضة ومربكة مثل صمت كريستين. 

استمرت الدكتورة فان دن بوس في الظهور مع جهاز التسجيل الخاص بها، لكنها لم تقابل إلا بالصمت والتشتيت والتناقض والتشويش.
إذ  لا يعمل التواصل اللغوي بينها وبين مدعات الجناية، بالطريقة التي تريدها.  إذ أن اللغة هناك، إما أن تكون مفقودة أو مضللة.

تصل قوة الصمت الجماعي تدريجيًا إلى الطبيبة النفسية، حيث إنها بدأت في تدارك مدى عجز ومحدودية اللغة اللفظية – وكيف يمكن التواصل بدونها.

عندما تأتي المحاكمة، ترفض الدكتورة فان دن بوس في الواقع تشخيص الصحة العقلية للقاتلات بطريقة من شأنها أن تنطوي على تقليص لمسؤوليتهن. إذ يحاول القاضي والمدعي العام إقناعها بتشخيصهن بالجنون القانوني للمتهمين، وبالتالي تقليل العقوبة، لكنها تصر على أن “النساء الثلاث يتمتعن بالعقل التام”.  وحينما يحاول القاضي والمدعي العام اللجوء إلى صمت كريستين كدليل على بعض العجز العقلي، تخبره الطبيبة النفسية أن الصمت هو في الواقع خيار اتخذته، وأنها “قادرة على التواصل، لكنها لم تعد ترى معنى ذلك.”




يبدأ صمت كريستين من إدراكها أنه على حد تعبير آني “لا أحد يستمع”.  في رفض الطبيبة فان لمنح النساء التشخيص الذي تحاول المحكمة فرضه عليهن، أرادت الطبيبة فان دن بوس، عوضا عن ذلك الاستماع بعناية أكبر إلى الصمت؛  والاعتراف بأن تجارب النساء معها كانت مُقيدة ثقافيًا وسياسيًا وتاريخيًا.

إن تاريخ الصمت في ظل النظام الأبوي بالطبع طويل ومتعدد الأوجه.

من الواضح أن فرض الصمت كان لا غنى عنه لإقصاء البشرية من عدة مضامير عملاقة في الحياة العامة وخارج كتب التاريخ. في الوقت نفسه، هناك شيء آخر يعالجه فيلم غوريس وهو أنه إذا ربطنا الصمت بالعجز والعزلة والتقاعس وعدم الأهمية، فإننا نتجاهل العديد من الممارسات التعبيرية التي استمرت لفترة طويلة في فترات الغياب التي تمر عبر السجل التاريخي.  كما قالت أدريان ريتش في قصيدتها “خرائط الصمت” (1975):

يمكن أن يكون الصمت خطة
قد تم تنفيذها بصرامة
مخطط للحياة
للصمت وجود
له تاريخه شكله
لا تخلط بينه وبين
  أي نوع من الغياب

  لا تفرض السلطة الصمت على رعاياها فقط.  إذ تُفرض كذلك عدة خطابات كذلك تظهر فيلم غوريس، منها داخل الأنظمة الخطابية النفسية-القضائية للدولة، وفي ظل هذا الواقع،  تكمن هناك فاعلية معطلة في الصمت.

في مقال لاحق بعنوان “الاختلافات في الحق في البقاء صامتًا” ، نظرت آن كارسون إلى جوان دارك، حيث أجبرت على التحدث خلال محاكم التفتيش التي أدت إلى حكم الإعدام عليها في عام 1431.

وجدت كارسون أن سماع الصوت عبر  – فتاة فلاحية أمية محاربة، ومحاطة بمناورات لا هوادة فيها وشخصيات سلطة قسرية، وكلها تطالب “بسرد تقليدي يمكن أن يكون عرضة للنفي التقليدي”.  لكن جوان آرك ردت على أسئلتهم بعبارات مثل “هذا لا يرتبط هذا بقضيتك” ، “لقد علمت ذلك جيدًا بما يكفي ولكني نسيت”، “واسألني يوم السبت المقبل”.
عندما تحمل نفسها على الصمت، فإنها تشير إلى رفض المطالب الشفافية الكاملة، وقابلية الترجمة؛  وهذا ما تصفه كارسون بأنه “غضب جوان دارك ضد الكليشيهات” – رفضها الحفاظ على الوضع الراهن من خلال تجسيد القواعد النحوية الموروثة.

لطالما كان فيلم “سؤال الصمت” فيلمًا مثيرًا للجدل.  جاء تقرير عن كيف استقبله النقاد في المملكة المتحدة – بقلم جين روت من الموزع النسوي Cinema of Women – يروي كيف انتهى المطاف بامتلاء مطعم بيتزا هت بالعديد من الأزواج في جدالات حادة، تلت خروجهم من مشاهدة الفلم الذي كان يُبث في السينما المجاورة، حيث كان الفيلم ممتلئًا، ليلة بعد ليلة.

فيما يتعلق بالاستقبال النقدي، كانت هناك بعض الاستجابات الإيجابية للغاية، وبعد ذلك كان هناك الكثير من الهستيريا الذكورية.  في كتابه للأوبزرفر ، وصف فيليب فرينش الفيلم بأنه “غبي بطبيعته” و “الوجه غير المقبول للنسوية”.  وصفه ستانلي كوفمان عن The New Republic: “فظاعة” و “شريرة” و “حقيرة” و “بغيضة تمامًا”.  ووصفه ميلتون شولمان لـ The Standard: “الإبادة الجماعية هي أداة أخلاقية متواضعة نسبيًا مقارنة بالمنطق النهائي لرسالة هذا الفيلم”.


وفقًا لمارلين غوريس ، تم إساءة فهم الفيلم بشكل كبير في السياق الهولندي.  تتذكر قائلة: “لقد اتُهمت بتصوير كل هذا العنف المروع”. “كانت هناك هذه الأوصاف الغاضبة للدماء التي تناثرت في كل مكان – بينما في الواقع لا توجد قطرة دم واحدة معروضة في الفيلم!  كل ذلك تم وضعه هناك من قبل المشاهد، لذلك كان حقًا شهادة على قوة الإيحاء لدى المشاهد.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s