الاحتياجات الإنسانية، والوظائف المعرفية

جاء عالم النفس الأمريكي أبراهم ماسلو بهرم الاحتياجات الإنسانية، التي من خلالها يحقق الإنسان نموه ونضجه الفسيولوجي والسيكلوجي، التي تضمنت جوانب الإنسان كافة، وهو بمنهجه هذا اختلف عن منهج أو المُحللين النفسيين، وفرويد مُمثلا لهم، بإلقاء الضوء على الجوانب الإيروسية أو الليبيدو كدافع دون غيرها.

استعمل العديد من العلماء من بعد ماسلو أهرامه للاحتياجات الإنسانية، وأعادوا هيكلته وقولبته وتصنيفه، مثل استعمالات توني روبينسون لسلم الاحتياجات الإنسانية عند ماسلو، وتقسيمه الاحتياجات الإنسانية إلى ستة احتياجات، نأتي بذكرها فيما يلي:

الحاجة إلى الأمان والسلامة Security :

تعتبر الحاجات الفيسيولوجية (الطعام، والشرب والسلوك الجنسي) بمثابة الجهة المُنظمة الحصرية للسلوك الإنساني تقريبًا، حيث تقوم هذه الحاجة الفيسيولوجية بتجنيد جميع قدرات الكائن الحي في خدمتها. ما إن تتحقق هذه الاحتياجات الفيسيولوجية حتى يمكننا بعد ذلك وصف سلوك الكائن الحي بأكمله بشكل منصف، على أنه سلوك البحث عن آليات للأمان أو السلامة أو النجاة. إذ يمكننا أن نقول إن المستقبلات العقلية، والمستجيبات الحسية والقدرات المعرفية والجسدية الأخرى، إنما هي في المقام الأول أدوات البحث عن السلامة أو الأمان. عمليا يبدو كل شيء أقل أهمية من السلامة كاحتياج إنساني (إذ انه في بعض الأحيان، يتم التقليل من شأن هذا الاحتياج الإنساني حينما تكون الاحتياجات الفسيولوجية مُلبية). بالرغم من تركيزنا على فهم الاحتياجات الإنسانية لدى الأشخاص الراشدين، ألا أن أهمية هذه الاحتياجات تبدو أكثر بساطة ووضوحًا خلال مراقبتنا للأطفال أو الرضع. إذ يصاب الأطفال بالهلع أو بالقيء أو القلق من عدم انتظام العالم، أو عدم أمانه، مثل المشاجرات، أو الاعتداء الجسدي أو الانفصال أو الطلاق أو الوفاة داخل الأسرة، أو نوبات غضب الوالدين أو التهديد بالعقاب الموجه للطفل، أو مناداة الأطفال بالألقاب أو الأسماء، أو التحدث معه بقسوة ونهره، أو هزه، والتعامل معه بقسوة، أو العقاب الجسدي الذي يثير في بعض الأحيان حالة من الذعر والرعب. إذًا، يتمثل تحقق الأمان والسلامة، كاحتياج إنساني، في توفر الاحتياجات الإنسانية الأساسية في توفير مجتمعا آمنًا ومنظمًا ويمكن التنبؤ به، ويستطيع الفرد الاعتماد عليه، فيما يوفره لهم من الحاجات الأساسية من الأمن الغذائي والجغرافي والمعنوي، بالإضافة إلى الحصانة ضد الحروب، الأمراض، الكوارث الطبيعية، موجات الجريمة، الاضطراب المجتمعي، العصاب، إصابات الدماغ، الأوضاع السيئة المزمنة.

اليقينية أو الأمان المعنوي Certainty:

هناك العديد من الجوانب الأخرى الأكثر اتساعًا فيما يتعلق بمحاولة البحث عن الأمان والاستقرار في العالم الخارجي. يتمثل هذا في تفضيلنا الشائع جدًا للأشياء المألوفة، عوضًا عن الأشياء غير المألوفة، أو تفضيلنا للأشياء المعروفة عوضًا عن المجهولة. يميل البعض إلى الدين أو تبني فلسفة للعالم من حولهم، ينتظم من خلالها الكون بشكل مترابط أو مألوف. هذا النهج أو السلوك المعرفي، إنما هو مدفوعُ جزئيًا بالبحث عن الأمان أو اليقينيةCertainty . يتمثل دافعنا لطلب العلم والفلسفة أو التدين أو الروحانية بشكل عام كذلك، تحت احتياجنا الإنساني ذاك لتحقيق الأمان أو اليقينية أو السلامة المعنوية لنا. إذ يُعتبر هذا السعي حل جزئي لمشاكل الفضول العامة، ونزعاتنا المعرفية المتعلقة بالبحث عن المعرفة والحقيقة والحكمة، ودوافعنا المحرضة دائمًا على حل الألغاز الكونية.

احتياج الحب والاتصال love & connection :

 إذا تم إشباع كل من الاحتياجات الفسيولوجية واحتياج السلامة بشكل جيد، عندها تظهر احتياجات الحب والعاطفة والانتماء عند الفرد، يشرع المرء في استيعابه الحاد، الذي لم يسبق له تجربته سلفًا وذلك بناءً على تسلسل هرم احتياجاته الإنساني عند الفرد، بغياب الأصدقاء، أو الأنيس، أو الشريك، أو الأطفال، في حياته. حينها يبدأ توقه إلى العلاقات العاطفية مع الناس بشكل عام، أي من أجل توقه للمكانة المعنوية أو العاطفية في مجموعته، وسيسعى جاهدا بكثافة كبيرة لتحقيق هذا الهدف. سيزداد استعرار شدة هذا الاحتياج الإنساني بشدة كبيرة، ولربما ينسى المرء كيف راح يسخر من العاطفة، في مرحلته السابقة، حين كانت احتياجاته الفيسيولوجية تتمثل في تحقيقه الشعور بالشبع فحسب.

إحباط تحقق الحب والعاطفة كاحتياج إنساني في مجتمعنا، هو الجوهر أو السبب الأكثر شيوعًا في تسبب حالات سوء التكيف maladjustment والاضطرابات النفسية psychopathology.

بسبب اقتران الحب والعاطفة غالبا مع التعبيرات الجنسية، غالبا ما يُنظر إلى هذا الاحتياج الإنساني بشيء من الحفيظة أو فرض القيود والحدود. عمليا، أكد جميع منظري علم النفس المرضي على أن إحباط تحقق الحب والاتصال كاحتياج إنساني، إنما هو السبب الأساسي لعدم التكييف. لذا، تم إجراء العديد من الدراسات السريرية حول هذا الاحتياج الإنساني، ويعلم العلماء الكثير، أو ربما أكثر من أي احتياجات أخرى باستثناء الاحتياجات الفسيولوجية، حول موضوع الحب والاتصال من حيث هو احتياج إنساني.

الشيء الوحيد الذي يجب التأكيد عليه في هذه المرحلة، أو يجب توضيحه عن هذا الاحتياج الإنساني، هو أن الحب ليس مرادفًا للجنس، أو الدافع الجنسي، إذ يمكن دراسة هذا الأخير كحاجة فسيولوجية بحتة. وعادة ما يكون السلوك الجنسي متعدد العوامل، أي أنه لا يتحدد فقط بالسلوك الجنسي، ولكن أيضًا بالاحتياجات الأخرى، من بينها الحب والعاطفة. كما ينبغي التوضيح أن الحب كاحتياج إنساني، يتضمن تقديم وتلقي الحب على السواء.

احتياجات التقدير أو القيمة Significant:

 جميع الأفراد في مجتمعنا (مع بعض الاستثناءات المرضية) لديهم تلك الحاجة، أو الرغبة العالية في الشعور بالقيمة، أو الشعور باحترام أو تقدير الذات، التي تُستمد معاييرها من أسس راسخة، وعادة ذات معايير عالية لأنفسهم، بالإضافة إلى حاجتنا لتقدير الآخرين لنا. ما الذي نعنيه بعبارة تقدير الذات القائم على أُسسٌ راسخة، نعني على أنه قائم على أساس سليم، على سبيل المثال القدرة الحقيقية على التحقيق والإنجاز، وما يصاحبه من الاحترام الذي يكنه لنا الآخرون. يمكن تصنيف هذه الاحتياجات إلى مجموعتين فرعيتين.

أولا، رغبة تحقيق القيمة من أجل الشعور بالقوة، بالإنجاز، بالكفاية وللشعور بالثقة في مواجهة العالم الخارجي، ومن أجل الاستقلال والحرية.

 ثانيًا، لدينا ما قد نسميه، الرغبة في السمعة أو المكانة الاجتماعية (ويمكن تعريفها على أنها احترام أو تقدير من قبل الآخرين). أي الاعتراف الذي نتلقاه من الآخرين، أو الاهتمام أو الأهمية التقدير.  أكد ألفريد أدلر وأتباعه نسبيا على أهمية هذه الاحتياجات، وأهملها فرويد نسبيًا والمحللين النفسيين.

 يؤدي إشباع الحاجات الإنسانية لاحترام الذات إلى الشعور بالثقة بالنفس وبالقيمة وبالقوة، وبالقدرة والكفاية لتكون ذا كيانٌ مفيد وضروري في العالم. ولكن احباط هذه الحاجات تنتج مشاعر الدونية والضعف والعجز. تلك المشاعر بدورها تؤدي إما إلى إحباط أساسي أو إلى اتجاهات تعويضية أو عُصابية. يمكن للمرء فهم وتقدير أهمية وضرورة التقدير الذاتي كاحتياج إنساني، بالاطلاع وتدارس حالات الأشخاص العاجزين الذين يفقدون هذا الاحتياج، ومن تعرض للصدمات العصبية الشديدة.

احتياج تلقي واستقبال المعلومات Variety :

تعتبر القدرات المعرفية (القدرات الإدراكية، والفكرية، وقدرات التعلم) هي مجموعة من الأدوات التي تساعد الإنسان على التكيف. مع ذلك، يعتبر اكتساب المعارف وتنظيم مكونات محيطنا وبيئتنا والكون من حولنا، جزئيًا إحدى الحاجات المعرفية. وتعتبر إحدى التقنيات لتحقيق احتياج السلامة والأمان لدينا، غير أن لها خصائصه أخرى، من بين تلك الخصائص، هي خاصية تحقيقها أو تمثل هذه الحاجات المعرفية كاحتياج إنساني لنا في العالم الخارجي، أو ارتباط تحقيق تلك الدوافع لتلقي المعلومات واستقبالها، مع التعبيرات الشخصية عند الفرد.

على الرغم من أن هذه المساعي المعرفية لا تشكل إجابات نهائية عن غائية أو ماهية الدور التحفيزي الذي يلعبه الفضول أو التعلم أو الفلسفة أو التجريب، إلخ. ألا إنها، في أحسن الأحوال، ليست أكثر من إجابات جزئية في حد ذاتها. ومع ذلك، من الواضح أن أي خلل قد يطرأ على هذا الاحتياج، أو أي حرمان أو عرقلة لحرية تحقيق هذا الاحتياج الإنساني، يهدد بشكل غير مباشر سلاسة الاحتياجات الإنسانية الأساسية نفسها.

احتياج المساهمة أو التوكيد الذاتي Contribution :

  حتى لو تم تلبية كل هذه الاحتياجات السابق ذكرها، فربما لا تزال في كثير من الأحيان (إن لم يكن دائمًا) ما تظهر حالة جديدة من السخط والقلق عمّا قريبًا، ما لم يكن الفرد يفعل ما هو مناسب له. الموسيقي يجب أن يصنع الموسيقى، الفنان يجب أن يرسم، ويجب على الشاعر أن يكتب إذا أراد أن يكون سعيدًا في النهاية. كل فرد عليه أن يكون، مالا بد له أن يكون.

هذه الحاجة قد نسميها تحقيق الذات، وهو المصطلح الذي صاغه كيرت جولدشتاين لأول مرة، ويشير إلى الرغبة في تحقيق الذات، أي إلى ميل الفرد إلى أن يحقق ما هو محتمل. قد يكون هذا الاتجاه بصيغة الرغبة في أن يحقق المرء أكثر فأكثر هويته وحرفته، أو أن يحقق المرء كل ما باستطاعته وقدرته على أن يكونه.

يظهر مما سبق أن التسلسل الهرمي للاحتياجات الأساسية ذات ترتيب ثابت وأولوية محددة، لكن الأمر يختلف في الواقع. إذ أنه بالرغم من أن الجميع يملكون الاحتياجات الإنسانية نفسها، ألا أنهم يختلفون في ترتيبها، وفي أولوياتها لديهم.

من هنا يظهر أن للجميع الاحتياجات الإنسانية نفسها، لكن ترتيب تلك الاحتياجات وأولوياتها، هي ما تختلف من شخص لآخر. إذ تنتظم أولويات الأشخاص وتختلف في ترتيبها حسب وظائفهم المعرفية حسب توجهها الداخلي أو الانبساطي، حسب نظرية كارل يونغ في الوظائف المعرفية، وإحدى الاتجاهات في مدرسة النظام الموضوعي في الشخصية لفهم نظرية كارل يونغ، التي سنأتي على ذكرها فيما يلي:

الوظائف المعرفية الإدراكية:

ويقصد بها الوظائف المعرفية التي نستقبل من خلالها المعلومات الحسية أو الحسية، حسب توجهها الداخلي أو الانبساطي.

يمكن النظر إلى الاحتياج الإنساني الأول والثاني في هرم ماسلو للاحتياجات الإنسانية؛ وهو الأمان أو السلامة، واليقينية، على أنه تحقيق للوظائف المعرفية الإدراكية في نظرية كارل يونغ؛ خاصة الوظائف الحكمية الداخلية؛ أي وظيفة الحس الداخلي Introvert Sensing (Si) والحدس الداخلي Introvert Intuition (Ni).

كما ويمكن النظر إلى الاحتياج الإنساني الخامس في هرم ماسلو للاحتياجات الإنسانية؛ وهو احتياج تلقي واستقبال المعلومات، على أنه تحقيق للوظائف المعرفية الإدراكية في نظرية كارل يونغ؛ خاصة الوظائف الحكمية الانبساطية؛ أي وظيفة الحس الانبساطي Extrovert Sensing والحدس الانبساطي Extrovert Intuition.

الوظائف المعرفية الحكمية:

ويقصد بها الوظائف المعرفية التي نتخذ فيها الأحكام والقرارات، سواء أكانت وظائف معرفية عقلانية أو وظائف معرفية عاطفية، حسب توجهها الداخلي أو الانبساطي.

غالبًا ما ترتبط هذه الوظائف المعرفية، حسب توجهها، فإن كانت داخلية التوجه، فترتبط بهويتنا الشخصية، أو قيمنا الذاتية أو الشخصية، وإن كانت انبساطية التوجه، فترتبط بوعينا أو إدراكنا لقيم المجتمع.

يمكن النظر إلى الاحتياج الإنساني الثالث في هرم ماسلو للاحتياجات الإنسانية؛ وهو احتياج الحب والاتصال، وأيضا الاحتياج السادس؛ أي احتياج المساهمة، على أنه تحقيق للوظائف المعرفية الحكمية في نظرية كارل يونغ، خاصة الوظائف الانبساطية؛ أي وظيفة التفكير الانبساطي والعاطفة الانبساطية.

كما ويمكن النظر إلى الاحتياج الإنساني الرابع في هرم ماسلو للاحتياجات الإنسانية؛ وهو احتياج القيمة والتقدير، على أنه تحقيق للوظائف المعرفية الحكمية في نظرية كارل يونغ، خاصة الوظائف الداخلية؛ أي وظيفة التفكير الداخلي والعاطفة الداخلية، وذلك بسبب ارتباطها بالشعور بالهوية الذاتية والقيم الشخصية، وتحقيقها، وقد جئنا على ذكر وظيفة العاطفة في هذه المقالة.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s