دروسٌ عن العاطفة


أتوجه للآخرين شرحًا ومواساة وتأويلًا لأمورٍ طالت حيرتي فيها ابدا، وعملت فيها وسع طاقتي اجتهادًا وسبرًا ونظرًا وبحثًا، وعملًا كذلك. العاطفة والاحتياجات الإنسانية والغرائز الفسيولوجية للواحد منا.

أقفُ اليوم فيما يوافق تاريخيا يوم الفالنتين، وقد بذلت وسع طاقتي وعملي وجُهدي في فهم مضاميره وإسقاطاته على عدة مضاميرٍ في حياتنا ودوره فيها.

لم ابتدأ الأمر فُضولًا محضًا، بل بدأته كما بدأت أي رحلاتي الفكرية، غربلةً ولايقينيةً ولا طمأنينةً عندي، وأرقٌ فكري وانزعاجٌ ولا ارتياحٌ عاطفي، وكان قد افضى بي إلى كثير راحةٍ واستقرارٍ وطمأنينة عقلية وفكرية وروحية. لكن لم يأتي الأمر هوانًا، وما كان سهلا يسيرًا البتة. بل كان ككل جهودي، جُهدٌ مدفوعٌ بالقلق.

كانت الشهور التي لحقت قطعي الصلات بأحدهم علي، مريرةٌ ثقيلةٌ وغير يسيرةٌ بالنسبة لي؛ لعدم احتوائي لها ولا لفهمي لأسبابها ولا زخمها ولا انعكاسات وتمظهرات وترجمات سلوكها. لم أكن أدركت احتياجاتي الإنسانية ولا العاطفية ولا المعنوية، ولا أظنني اصلا كُنتُ أريد الاستماع لها أو الترحيب بها. وأخذت أكبتها ثم أعمل على كبتها فكبتها، حتى ماذا؟ حتى خلّفت هوةٌ وألمٌ وندم وتأنيب ضمير مستعرين غير خامدين، حتى بدأت رحلتي تلك في تطوري العاطفي والمعنوي.

ما الذي يمنعني أن أدين بالشكر والتقدير والاحترام لمن يدينون لي بهذا كله؟ ما الذي يمنعني من التعبير عن عاطفتي وحسن امتناني وتقديري ومودتي حق امتنانٍ وتعبير؟ ما الذي يمنعني من تلقي الاهتمام والمودة والتقدير دون دفعٍ مني له أو صده او تهميشه أو استنقاصه؟ ما الذي يمنعني من التوقف عن دفع الآخرين بعيدا والنأي بعيدًا عنهم دون الاقتراب، وعزل وقوقعة نفسي؟ كذا تساؤلي مع سلوكيات الآخرين النقيضة لي. كيف يستقبلون العاطفة بسهولة دون دفعٍ منهم أو زجر، وأمورٌ اخرى.

كان التثقيف المعنوي والعاطفي، وتهذيب عاطفتي وهندمتها، وإحلالها بشيء من حُسن المعشر والامتنان للآخرين واحترامهم، واحترام نفسي وتقدريها اولا وعامةً، كان العنصر الحاسم فيما أقفُ عمّا أقفُ عليه اليوم.

دروسٌ عامةٌ في تهذيب النفس وهندمتها، دون كثير تفاصيل أو اسباب أو تحليل، فقط تهيئة للجو العام لإحلال شيء من التربة الخصبة لزهوري لتنبُت. تهيئةٌ عامة للعاطفة وأحوالها وأشكالها.

كانت تلك البداية، وما تبع ذلك كان هو العمل والزراعة، واقتلاع جذوري السامة العفنة، وإحلالي عوضًا عنها بذورٌ بتولةٌ اعتنيت بها شيئًا فشيئًا، مع تقديم الرعاية والثقة والسُقيا. حتى نبتت على استحياءٍ منها وريقات صغيرة الحجم، هزيلة الثخانة، لكنها مع الاهتمام والسُقيا والرعاية تكبُر.

لم تُزهر نبتتي تلك تعاطفًا وامتنانًا للآخر وبذلًا واستقبالًا، حتى استصلحت علاقتي مع نفسي اولًا. تعاطفي معها وشفقتي بها. إخفاضي لها الطرف، وتعاوني معها. رأفتي بها، وعدم مشقتي عليها بالتكاليف. ربما كانت تلك كلمات والدتي نصحًا لي حين جئت أتحدث عن لايقينية كل الأشياء، وانعدام اليقينية والبرهنة القطعية والثقة في شيء من الأشياء دون الآخر، خصوصًا مع النفس.

عملت منذ إذٍ أحاولُ استصلاح علاقتي رأفةً وامتنانًا وتطبيبًا مع روحي ونفسي. ما أظن روحي هي الأخرى قد أُلهمت رشدها من سُبلي الغابرة في النظر والعمل والتنقيب. بل ما أظن سُبلي السابقة قد فادت شيئًا. إرهاق نفسي تفكيرًا وقلقًا حيال السيناريوهات المستقبلية للأمور، أو إلزامها بجدولةٍ ومنهجية للعمل فوق العمل فوق العمل فوق العمل، مُحملةً إياها شيئًا غير قليل من القلق والشك واللايقينية الذاتية الأكثر عرضةً للانهيار والسقوط بفعل معاملتي الجافة معها الخشنة. دون أن أُخفف مرارتها بشيء من حلاوة الإيمان أو التقدير أو الامتنان أو الاستمتاع، فيما أترك نيراني الشاظية تُحرقني وتأكلني من الداخل، لايقينية ولا اكتفاء ولا اشباع ولا امتلاء ولا تقدير ولا امتنانًا لمجهوداتي كلها. فيما أخذ في اللوم فوق اللوم، وفي التعظيم من قصوري فوق التعظيم من قصوري، دون شيء من الرأفة بالذات، أو اليقينية أو التوكل أو الإيمان بالأقدار أو أيًا كان.

كانت تلك بالضبط كلمات أمي في الأسبوع الأول الذي لم أتلقى منه قبولا في أي جامعة حكومية، ورحت أضرب الكف دون الآخر، كما يليق بقليل إيمانٍ مثلي، يظن أنه منوطٌ برزقه، وأخذت أتساءل عن مصيري ومستقلبي وقيمتي وأمورُ اخرى.

لعل كلمات اغنية أدعج العينين إنما هي شديدة التمثيل لي، أكثر من تمثيلها لوالدي. ولكثير التشابه الذي يقع بيني وبين والدي كان هو الآخر واحدة من الأمور التي دفعتني للتغيّر.

لم أكن مؤمنًا قط.

ولم أكن محلًا للثقة قط.

شيزوفريني وفصامي.

ومؤهلٌ للتسبب بصدمة.

لم أكن وفيًا قط.

باستثناء مُتعي الخاصة.

أنا أدعجُ العينين ابدًا.

نتاج منزلٍ مُحطم.

لم أكن شاكرًا قط.

لذا قضيتُ أيامي وحيدًا.

أنا أدعجُ العينين أبدًا.

نتاج منزلٌ مُحطم.

على قدر الخلافات التي أقع فيها مع والدتي، ألا إنني أتعلم الشيء الكثير منها، وكان هذا تحديدًا شيء مما قشع عني غمامة تطلعاتي وتوقعاتي القاسية من نفسي، وإن كنت عند التفكير بالأمر لا أجدني جامح التطلعات أو الآمال، فقط مُحرّضٌ للعمل والدافعية لإثبات نفسي وذاتي، ودفعًا عني قلقي.

لكن ما العمل ذاك، وأي قيمةٌ معنوية أو غائيةٌ أو جوهرية يضيفها هو لي فيما يتعلق بكياني ووجوديتي وقيمتي؟ في إجابة النصف الأول من السؤال تتمحور إجابات الرواقيين والوجودين له، أو على الأقل الثُلة منهم من يقف على درجة أقل تشاؤمية وعبثية، وفيها بذلت وسع عملي واجتهادي مُنذ مراهقتي دفعًا عني قلقي. لكن أين وقفت عند الجانب الثاني من السؤال؟ لعلي ما وقفت عنده البتة، أو لعلي وقفتُ بضعة محطات انتظار أو لجوءٍ، لا استكنانٍ ولا اطمئنانٍ ولا استقرار، حتى حدث ما حدث، واستفاقت استنارتي الروحية والمعنوية جرّاء حديثٍ خُضتهُ مع والدتي، وغيّر فيّ من الأمور ما غيّر.

كانت تلك اللبنات الخصبة والشخصيةُ التي دفعتني دفعًا للخروج من منطقة راحتي، واطمئناني، بل قلة اطمئناني بمنهجي البرغماتي العقلي، وما جلبه علي غياب يقظتي الروحية والمعنوية وبالأخص العاطفية.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s