حياةٌ خاصة – تشين ران

ترجمة Private Life, by Chen Ran

كل الوقت قد مضى بعيدًا، وتركني هنا، وحيدةً…

فيما تمر الأيام والشهور، أجذو تحت حطام وأجزاء الزمن والذكرى التي حطت على جسدي، وتملكت من وعييّ. كما لو كان جرذٌ قد قرذني، فيما يسري الوقت، لحظة بلحظة في الضياع. لا يمكنني القيام بإي شيء لتغييره. جرب العديد فأسٌ أو سيف لقطع الوقت؛ بنيتُ جدرانًا، وأغلقت نوافذي بشدة. إذ تبنيت سلوكًا من النكران. لكن ما من شيء نفع. فقط الموت، وطوبويته فوق قبورنا، بإمكانه أن يوقف الوقت. ليس هناك من طريقةٍ أخرى.
سنواتٌ مضت، استعملت والدتي الموت لتبقي على إحصاء مرور الوقت. اتذكر كيف ماتت، غير قادرة على التنفس. كإبرة. طنت صيحاتها الأخيرة الخائفة الباردة في أذناي، حيث تردد صداها باستمرار وبأبدية، ابدًا دون توقف.
لم يكن الأمر أبعد من ذلك، حينما هجرت والدتي. حطم والدي بالكاد الشعور العميق الذي كنت احمله تجاهه، وبنى حاجزًا بين عقلينا. كانت تلك طريقته في نكران الزمن. جعلني هذا افكر في قصة الرجل الذي زرع بذرةً ثم نسي أمرها حين مر عليها فيما بعد، وقد اصبحت شجرة مزهرةٌ ثخينة، تكاد تزهر. لكنه لم يكن يملك أية فكرة أي نوع من البذور قد نمت منها، اي نوع من الاشجار كانت، أو أي نوع من الزهور كانت لتتفتح من لقاحها.
يُخلق الوقت من الحركة في عقلي.
أعيشُ الآن حياةً من العزلة. هذا جيد. لا أملك أية حاجة للثرثرة على أيةِ حال. متلبسةٌ انا من ارتباك المدينة الذي بُثت في كل جزء من وعيي كطنين مستمر من ذبابة لامرئية. يذهب البشر دون احتكاك، كما لو كان الخطاب ما هو إلا الطريقة الأوحد، النموذج الوحيد. حاولوا محاولات لامحدودة لتداركه، للإبقاء على مودتهم الثابتة. أنا نفسي، لا أملك مثل هذا الإيمان في المودة، يا لعجزان الفرد. وإذ هو من المستحيل بالنسبة لي ان اصطاد العديد من الذباب، كل ما استطعت فعله هو أن أبقى بعيدا عنهم حيثما استطعت.
عشت بهدوء في تلك المدينة في تلك الشقة التي تركتها لي والدتي. للطرقات مظلمةٌ وطويلة، لكن الشقة امتلكت نوافذ في كل مكان.
للعيش وحيدًا، ما جعلني بإي طريقة ما صعبة المعاشرة. لم يكن هناك من دفء استثنائي فيما كنت اعيش مع والديّ. الأمور بخير الآن. لسنوات طويلة، بدا الوقت وكانه يسرع. لكنه تعب، وبدأ يتباطئ. توقف الوقت عند شقتي. وتوقف كذلك عند عمري. بدا الأمر كما لو كان الزمن متعبٌ وشاق. توقف للاستراحة عند وجهي، ولم يبرح مبتعدًا، لهذا يبدو وجهي كما هو منذ سنينًا مضت.
على سبيل المثال، لم اعد اتجادل مع الاخرين بعد، لانني اعلم الآن انه ما من هناك من علاقة بين الجدال والحقيقة. ما الامر الا من يملك الامتيازات، وفي الامتيازات، واللاامتيازات، ومن يفوز، ومن يخسر، لا يملك الأمر قيمة بالنسبة لي بعد.
لن اصدق مجددا ابدًا بعد، أن الأرض تخت قدماي إنما هي طُرقٌ ممهدة. أؤمن أن الامر لا يعد سوى فوضى رقعة شطرنج كبيرة، وأن السواد الأعظم من البشر انما يذهبون حيثما تجرهم اقدامهم. لأيُ شخص مُصرٌ على اتخاذ قرارات منطقية، عليه ان يستعد بقبول ان يمشي عكس التيار، في ان يقف ساكنًا وغير مطمئن على حافة الطريق ينظر، فيما راحت اجسادهم تحمل علامات استفهام، كرجال عجزة قد عانوا من الشلل.
احب الخضروات، إذ انا عمليًا نباتية، لإنني مقتنعةٌ بالكلية أن الخضروات وحدها هي من تجعل الروح منفصلة عن الجسد، وتومض العينان رونقًا وجمالًا.
إنني مغرمةٌ بالنباتات التي في شرفتي التي تحمل شجرة بامبو عملاقة، وبعض الزهور. لا احتاج الذهاب إلى الحدائق العامة، مع كل هذا الازعاج والضجة للاستمتاع بالهواء النقي والمنعش.
اتصل علي منذ بضعة ايام صديقي الطبيب كي لاو. كان قلقٌ للغاية حولي، واقترح علي أن امضي بجولة إلى المستشفى. اخبرته أنني غير مهتمة برؤية أيًا كان، مهما كان من هو.
كانت الكلمات التي حملتها معي كالظل المزيف للقمر. للإيمان بإن المحادثة تعطينا نوعًا من التشاغل، الأمر كما لو كنا نصدق أن صورة من الخبز بإمكانها ملئ معداتنا.
فقط كما لا تحتاج روحي إلى إيمانٌ ديني، لا يحتاج جسدي إلى الأدوية.
اخبرته إنني ان احتجته، سأتفقده.
أعلم ان زخم الاسماء للسواد الأعظم للبشر والأشياء، إنما يحدد شيئًا من القيمة المادية لها في حضارتنا. لكن ما الاسم لا شيء سوى اسم. خذ اسمي على سبيل المثال، ناي نيونيو. كل ما فيه إلا مجموعةٌ من الأصوات. لا أرى انه يشكل كثير فارق إن ناديتني ناي نيونيو، او يا زاي جو، او الآنسة الصغيرة العنيدة، او الآنسة الجروة الصغيرة.
في تلك اللحظة، اتمدد على سريري العملاق المريح. إذ انه كمحيط، المفضل عندي في عالمٌ فوضوي. انه رجلي وامرأتي.
شُعلٌ من أشعة شمس الصيف الحارقة، متبوعةً بضوضاء الشارع.
لا احب الشعور بأشعة الشمس. تجعلني أشعر كما لو كنت عرضةً للأذية، كما لو كانت كل أعضائي تتمدد عارية، وكما لو كان يتوجب علي الضوء. لكن بالطبع هناك العديد من الشموس في هذا الكون. إذ ان الضوء من كل زوجي أعين يحرق أكثر من اشعة الشمس، وهو اكثر خطورة وحِدة. لو كان الضوء ليجتاح وجودي، كنت لاكون ضائعة، مختفية، وكنت لأموت.
لانني اعلم ان حياةً مليئة بإي نوع من الأضواء إنما هي حياة مليئة بالمظاهر المزيفة والأكاذيب.
كُنتُ قد ولدتُ في ليلية غير مميزة، في سنة استثنائية في عام 1968. بهدوء، تركت رحم والدتي، لألتحق بعالمٍ خِفتُه، ولم أكن مستعدةً له، حيث زحفت كضوء مذعور. كان الضوء في الغرفة التي ولدت فيها فلورنس ازرقًا. كرهت الأضواء البراقة منذ إذ.
قال التنجيم الصيني، والنصوص التنجيمية الغربية أن الفتيات المولدات في تلك الليلة، إنما هم كالراهبة الإسبانية ثيرسيا دالفيا من إيمانها.
اليوم، بعد ما يقارب الثلاثون عامًا فيما بعد، أرى أنني بكل وضوح ما كان بإمكاني تخطي أو تجاهل الأضواء الثاقبة. الآن، فيما أتمدد على سريري العملاق ذاك، أستطيع رؤية أشعة الشمس تتراقص من أمامي ومن خلف عيناي. يقلب الوقت صفحاته فيما تتابع هي.
اعتدتُ أن اكون ملاكًا، لكن حتى الملائكة بإمكانهم ان يكونوا شياطينًا لا عقل لهم. كما يقولون، قد يكون الطريق إلى الجحيم ممهدًا بأحلام الجنة.
كل هذا يتطلب عصرًا كان قد جُن؛ كل الخلايا الحية تحولت إلى حصى ميت.
لا أريدُ النهوض. ولمّ الأمر؟ لا أريد النهوض من السرير للذهاب للمكتب حتى ألهث خلف النقود بعد الآن، كما يفعل كثيرٌ آخرون.
طالما أملك ما يكفيني لألبسه وآكله، لا أملكُ أيةُ رغبة في المال.
التفتت عيناي على بقعة حبرٌ غريبة كانت قد سقطت على المخدة. حدقت فقها لمدة طويلة، بدت كما لو كانت روحي تحلق حول السرير، تتفحص الجسد الذي في السرير من زاويةٍ مختلفة. حاولت بيأسٍ أن أمسح بقعة الحبر، وأن اقبض على روحي السوداء مجددًا حتى تعود إلى جسدي. في غرفة النوم زهرية الطلاء هذه، في هذا السرير حيث عشت ونمتُ وحيدةً في السنة الأخيرة السابقة، لم يكن هناك من سوائل سوى حبر قلمي الأزرق الأسود الفاخر. تحت مخدتي، هناك بضعة ورقات وقلمي. احب الاندساس في السرير، وأن أرسم أو أكتب ما يتخاطر إى عقلي. لا يهم الأمر أكانت بدايات مذكرات، او رسائلٌ ما كانت لترسل ابدًا، أو بلا عنوان. إذ انهم توثيقٌ لروحي. مركبٌ من تفاعل عقلي الداخلي مع العالم الخارجي. المتنفس لحياتي.
احيانا ما افكر انني لا املك أي شيء فيما يتعلق بالعادية، وانه في كل ما حولي يتواجد اعداء؛ انني لست نفسي بعد، ولكني اصبحت احد آخر؛ حتى مع أنني لا جنس لي-لا بامرأة ولا برجل. هذا بالضبط كالشخص في الفيلم الأمريكي المرآة المنظورة، الذي وقف ابدًا امام مراة دورة المياة التي غُطي سطحها البراق بطبقات من الضباب. بالرغم من اغلاق احكام النافذة، لا يزال هناك من من نسيم يتسلسل ويجد طريقه الى النافذة، وسحب ستارة الاستحمام حتى تغطي اجزاء الشخص الخاصة قبل انعكاس المرآة. قرر الشخص البقاء في الحمام مدفوعًا بالحب الذاتي، اذ عُرّض العقل والجسد للعالم الخارجي.
هناك عيون خفية تتلصص في الهواء، رجالٌ يشاهدون هذا الشخص بغضب.
لا تعرف جنس هذا الشخص، لإنه لا يريد منك معرفته.
احيانا ما آخذ في التفكير اني هذا الشخص في المرآة. بالطبع هي المرآة التي من خلالها استطيع تمييز نفسي، مزيجٌ من المراقبة التحليلية، وشخصٌ في موضع مراقبة تحليلية، جنسانية أحدهم، وقد دمرت نتيجة عدة عوامل أو تهميش، فيما اصبح شخصٌ لا جنس له. من خلال تمحيصها، كانت الصورة تملك الاحتمالات لتتطور لإي طريقةٍ من الطرق. حينما نظرت إلى الطبيعة العادية للعالم الخارجي. بدا لو كان كلشيء كوهم. حتى بالرغم من أن العديد من أعمال الديانات والفلسفات، شرقيةٌ أو غربية، قد علمتني أنني إن اردت الهروب من اللايقينية، وتحصيل التنوير، علي الخضوع لذاك الشعور من الانفصال الذاتي. أقلق على السواء إنه في يوم من الايام سأفتقد السيطرة عن هذا الانفصال الجسدي والعقلي، وأجن.
هذا الصباح، فيما تخلل الضوء عيناي كشذرات من الزجاج، صببت كل تركيزي، على بقعة الحبر على مخدتي، التي ربما نتجت عن اهمالي حينما كنت اعبث بالقلم على صفحة الورقة.
بدت هكذا:
بدت كثيرًا كخريطة، خريطة مع ثقبٌ في المنتصف. بدت كما لو كانت تمثل رمزًا من الشخصيات الإنسانية اللذين غطوا تلك البقعة -الخواء، الإنفصال، والاشتياق. بدى القرنان في الأعلى كزوجين من الجدي، رجلٌ وامرأة، منشغلين في القطب النقيض من الجنسانية، متطلعين للرابطة، حتى بالرغم من رفوض أحدهم الآخر؛ في المنتصف يوجد خطٌ فاصل، خطٌ أسود؛ على اليسار واليمين هناك وحشين غريبين مشتبكين في قتال مع أحدهم الآخر.
قلبٌ كبير هناك في المنتصف يأكل بمضي الوقت- نافذة للسماء مفتوحةً في منتصف القمة، وحقلٌ. فمٌ يتنفس بالحياة، رحمٌ مفتوح ينتظر الأمطار. عيونٌ قلقةٌ محدقة، وتعبة من دموعها الأخيرة. رئةٌ مدمرة ومتآكلة كأن الأوراق راحت تتآكلها.
لا أريدُ النهوض. أريدُ نسيان نفسي في خيالات بقعة حبري.
كان كثير ما قضيته من وقتي في السنة الأخيرة، قد مضى في كثير من الاستبطان، بعيدًا كل البعد وبوضوح عن أسلوب حياة الفتى اللعوب.
الحقيقة أن المتعة ما هي إلا كالأسى قصير المدى.
يومٌ يأتي، ويومٌ يذهب، فيما أشعر بخوائي اللامتناهي، وإحجامٌ عن النهوض على قدماي. ككوب فوق كوب من شاي لا طعم له، تركتني الأيام خاليةً من القوائم ولا نشيط. لا أعرف ما كان هذا الذي أردته. على طول حياتي، الغير طويلة جدا، جربت كل شيء يتوجب علي تجريبه، وكل شيء مما لا يتوجب.
ربما ما حتجته كانت المحبة، متقدمين في العمر أو شُبانًا، ربما حتى كلبٌ. لم اعد أملك أيت حدود أو حواجز. الأمر نفسه فيما يتعلق بمحاولتي لفهم الحاجة للمودة المثالية، في أن أتقبل أقل. لإنني أعلم أن الحتمية ماهي إلا حمقٌ نقي.
عني، امتلاك المحبة لا يعني الأمر الجنس بالضرورة، بل هو فقط نوع من البهارات، انبساطية. لم تمثل لي جنسانيتي مشكلةً يومًا. مشكلتي مختلفة. انا متشظية في عصر متشظٍ.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s