أوشو، تعاليم عن الفهم والتَحَوُّل

سأل سائلٌ أوشو: مهما ما تقول، أجد نفسي موافقًا دائما له، لكن لماذا لم يطرأ على حياتي التغيُّر؟

من الممكن أن السبب يكمن في الموافقة. إن وافقتني، أو لم توافقني، لن تتغير حياتك. ليس الأمر يتعلق بسؤالك عن الموافقة أو المخالفة. إنما السؤال يدور حول الفهم، والفهم يذهب فيما وراء موضوع الموافقة والمخالفة. حينما توافقني، تظن انك تفهمني. لكنك إذ فهمتني، فليس هناك من حاجة للموافقة أو المخالفة.
أشرقت الشمس، هل توافق أم لا؟ ستقول أن السؤال نسبي. القبول والمخالفة هي امور تأويلية، لا فيما يتعلق بالحقيقة.
لذا، حينما توافقني، لست توافقني فعلًا، بل تبدأ بالشعور وكأني أوافق انطباعاتك التي كنت تحملها معك.
كلما ظننت أن احدهم يتوافق معك، تشعر انك تتوافق معه. في حين أنني قد لا اكون موافقًا لك، فهناك تدب المشكلة، فلا تتوافق معي، ولا تسمع لما سأقوله، وتغلق منافذ نفسك ببساطة عمّا أقوله، حينما أقول لك شيئا لا يتوافق معك.

ليس السؤال يتعلق بسؤال الموافقة أو المخالفة، اترك عنك هذا. لست أنا باحثًا عن الأضداد. لست أحاول فرض أي فلسفة أو أن أقدم مبحث لاهوتي. لست أبحث عن أتباع. أبحث عن المتعلم، وهذا مبحث مختلف بالكامل. المتعلم، ليس بفرد يتفق، المتعلم من يستمع، من يتعلم. أتت كلمة المتعلم من التعلم – discipline. المتعلم هو شخص على انفتاح للتعليم. أما التابع، فهو على انغلاق منه. التابع يظن أنه موافق، ولا حاجة له للانفتاح، ويمكنه أن يظل على انغلاقه هذا. أما المتعلم فلا يستطيع تحمل الانغلاق. هناك الكثير لنتعلمه، كيف بإمكانك الموافقة او المخالفة؟ أما المتعلم فلا يملك تلك الإيجو، لذا فمن يوافق أو يخالف؟ المتعلم هو منفتح فحسب. لا أحد بالداخل ليوافقه أو ليخالفه. فتاك المتقبِل ذاك، إنما يختلق المشاكل بسلوكه الموافق هذا. لا أحد استطاع التَحَوُّل
مطلقًا عن طريق الموافقة. الموافقة مزيفة بالكامل وعقليّة.

حتى يتحقق التَحَوُّل، يحتاج المرء إلى الفهم. دائمًا الفهم هو الذي يؤدي إلى الفهم والتحوُّر. حين تفهم، لا تراك تبتدأ الأشياء، ولا الفهم من يبتدأ الأشياء. ليس الأمر وكأنه حين تفهم تبدأ الممارسة، لا. تعمل حقيقة الفهم ذاتها على الذهاب عميقًا إلى فؤادك وتتعامل هناك، وهنا يحدث التَحَوُّل. إذ التَحَوَُل هو نتجية للفهم. إن وافقتني، فالمشكلة حيال “لا اعرف ما الذي أفعله” لا تزال موجودة. بل الفكرة تكمن فيما يتوجب عليك ممارسته وفعله. الموافقة كفعل، هي شيء أحمق، تمامًا كحماقة المخالفة.


وبعد، يستعد العقل للتأهب، لا تعلم البتة ما الذي تعنيه بموافقتك. للعقل متلاعبٌ حين يتعلق الأمر بموافقني، هل توافقني بالفعل؟ أو لعلك وجدتني قابلٌ للموافقة معك؟ ومن ثم تلك، ماهي تلك إلا خصال العقل ذي الطباع الخدّاعة والتشريعية. يستطيع إجادة طرقه الخاصة للموافقة، ومع ذلك يظل كما كان دون تغيُّر. ليس هذا فحسب، لكنك حين توافق، تبدأ بالشعور كما لو أنه واجب الرجل لتَحَوَُلَك، فيما كان كل ما فعلته هو الموافقة، لقد أتممت جزئك. ما كان بإمكانك فعله أيضًا؟ لقد وافقته. لقد غدوت مستلسمًا. إن لم يحدث شيئًا، فستبادر توجيه شعورك بالغضب تجاهي. وبعد، حين أقول لك شيئًا، ليس هو بالشيء الذي أخبرك إياه بالضبط، غير أنك تسمعه بطريقتك الخاصة. تسمعه بكل تأويلاتك، تسمعه من خلال ماضيّك، من خلال ذكرياتك، من خلال معرفتك، من خلال ظروفك، من خلال العقل. تسمع ما أقوله من خلال عقلك، والعقل يعطي لونًا لكل ما يسمعه. يقفز فوقه فوريًا. يغيُّر ما يسمعه. يجعله مستساغًا للموافقة بالنسبة لك، يقنص إسقاطاته على أشياء أخرى. يملئ الفراغات، بينما يقبع جزء مما قلته بالفعل، يبقى مثلما قلته بالفعل، وجزء آخر لا يمكن تحويله. فقط كُلّيّة. غير أنه كُلّيّة تبقى كُلّيّة إذا لم تبذل الجهد لتوافق أو لم تخالف. حين لا تبذل أي مجهود للمخالفة أو للموافقة. إنما تضع العقل جانبًا، غير أنك إن كنت تضع مجهودك جانبًا، كيف بإمكانك الموافقة أو المخالفة؟ إذ هو العقل من يوافق أو يخالف. الفهم أكبر من العقل، يحدث الفهم في وجودك الكُلّيّ، إنما يقع في عقلك، بنفس نسبة وقوعه في أصابع قدميك. الفهم هو شيء كُلّيّ. العقل إنما هو جزء جزئي من الكل، غير أنه دكتاتوري للغاية، ويذهب متظاهرًا أنه الكُلّيّة.


فهمك للأمور هو فهمك الخاص للأمور. تأويلك هو تأويلك الخاص. ستنظر للأمور من خلال زاويتك الخاصة. مهما تسمعه، إنما هو تأويلك للأمور، تذكر هذا دائمًا، وكن على وعي ويقظة منه، ليس الأمر ما قلته، لكن ما الذي تظنني قلته، وليس الأمر بسيان. إنك إنما توافق صداك. أنت لا توافقني، بل إنك توافق أفكارك الخاصة، فكيف بإمكانك التغيُّر؟ الأفكار أفكارك، والموافقة موافقتك، فلذا ما من احتمالية هناك للتغيُّر، لذا توقف رجاءً عن الموافقة أو المخالفة، وفقط استمع لي.

لربما إن طريقتك في الموافقة تلك، إنما هي حيلة لحماية نفسك، لتحصِّن نفسك من تلقي الصدمة. يدار الأمر بالتعادل، أقول شيئًا، فتوافقني فوريًا، فتُتجنب الصدمة. أما إن كنت تخالفني، فتصدمك من جذورك، لربما أمرضتك في احشائك. أقول شيئًا، فتقول نعم أوافقك! مع تلك الموافقة تُبتر. ليس هناك من حاجة للصعق، لقد وافقت. إن لم تكن وافقت، كنت سأقول أنه الشيء نفسه مع المخالفة؛ في اللحظة التي أكون فيها قد قلت شيئًا، ثم يأتي أحدهم ويقول، لا أوافق! يكون قد قطع هو الآخر الطاقة. بُترت الطاقة الآن، ولن تمضي إلى جذوره ولن تتزامن. وها قد مضينا في صنع العديد من المخازن حول أنفسنا، طلبًا للحماية. تلك الواقيات لن تسمح لك بالتغيُّر، حتى تتغير، عليك ان تصعق بشكل هائل ورهيب. سيكون الأمر مؤلمًا، سيكون التحول مؤلمًا. إذ الموافقة أمر مريح، وكذا المخالفة. لا أضع العديد من المجهود في الموافقة والمخالفة، إذ انهم نوعين من الجوانب ذات العملة الواحدة. للشخص الأهم الذي عليه أن يكون بجانبي، هو الشخص الذي لن يوافقني ولا يخالفني، بل سيستمع ببساطة. استماع محض. استماع محض وحسب. سيضع نفسه جانبًا، وسيفسح لي طريقًا.


ما الموافقة والمخالفة إلا الشيء نفسه، كيف نبقى على من نحن عليه، كيف نمنع التَغَيُّر. يكرّس البشر طوال حياتهم بأكملها لعمل واحد؛ وهي كيف يحافظوا على أنفسهم من التغيُّر. يذهبون إلى القول أنهم لا يريدون أن يكونوا في حالة مأساوية، غير أنهم يسلكون الطرق التي تجعلهم في حالة مأساوية. يذهبون للقول أنهم يريدون التغيُّر، لكني أنظر تجاههم، وأرى انهم لا يريدون التغيُّر، بل في الحقيقة، إنما تلك الرغبة المعبر عنها في التغيُّر، إنما هي في عدم التغيُّر، لذا بإمكانهم إخبار العالم وبصوت مسموع انهم يريدون التغيُّر، غير أنه ما من شيء يتغير، لذا ما بإمكاني فعله.


ما بإمكانك التغيُّر، وهذا ما سأقوله كتعقيب أخير على هذا السؤال. غير أنه بإمكانك السماح للتغيُّر في الحدوث فحسب. محاولة التغيُّر لن يحدث تغيُّرًا. أنظر إلى المنطق الداخلي للأمور، فيما تحاول تغيِّر نفسك، كأنك تحاول وضع نفسك على يد غريب ليسحبك، ما الذي سيحدث نتيجة ذلك؟ لا شيء محتمل. لا تستطيع تغيِّر نفسك، لأن من هذا الذي يحاول تغيِّر نفسك؟ أنه ماضيّك. إنه أنت. تستطيع السماح للتغيُّر بالحدوث فحسب.

الرفض هو ما يكمن عليه الاستسلام، أو التسليم بالأمور.
الموافقة، إنما هو ماضيّك الذي يوافقني، إما الانفتاح، فهو مستقبلك الذي يفتح ذراعيه، فرص تحوُّلك إنما تكمن في مستقبلك، إنما الماضي قد ولى وذهب وانتهى ودُفن وما عاد هناك من فائدة من ذلك المتاع الغير ضروري، لأنه مع ذلك المتاع، ما بإمكانك التحليق عاليًا.
ما الذي تعنيه حين تقول لي أني أوافقك؟ يعني أن ماضييّ يوافقك، فيما أومئ وأقول، نعم لقد كُنت هناك بالفعل. تلك إنما هي طريقة لتجاهل المستقبل، كن على يقظة ووعي بهذا، وأنه على الرغم مما عشته، شذراتٌ قليلة من الوعي بالنهضة ستتملك منك كيانك، وبعدها ستكون على وعي، أن أية حياة عشتها مسبقًا، ما كانت حياة على الإطلاق، وأنك كنت موهوم، وأنك كنت تحلم، وإن ما كانت تلك اللمحات القليلة إلا لتسوّي ماضيّك، ومن ثم يتبع ذلك التحوُّل، الذي يأتي تباعًا طبيعيًا للفهم.

ترجمة Osho Talk – Tantra experience, evolution through live

1 Comment

اترك تعليقًا

Please log in using one of these methods to post your comment:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s