عن عزلة الفردانية، ويليام ألجر

المُحدد الأول لوحدة حياة الإنسان، هي ما تنتج عن الانفصال الحتمي نتيجة إخفاء كلٌ لفردانيته. لا يمكن إيصال السر والغطاء الذاتي والداخلي للنفس. لا يمكن مشاركته، ولا يمكن إظهاره لأيًّا كان. فقط شذرات مصطنعة من حيواتنا هي التي نُظهرها، مقارنةً بالجزء الغير متوقع الذي نمضي في إخفاءه، وما هو ذاك إلا هذا الشيء الرائع الذي يجعلنا من نحن. حيث يحاط بنا حاجزٌ لا يمكن اختراقه أو النظر له، إلا من خلال القوى التي خلقتنا. 

في تمازج الروح مع كائنٌ من نوعنا 

حينما يظل أعمق ما فينا متفردًا

فيما توأمت أهواء القلوب مع القلوب

لهي حقيقة معروفة تلك في الفيزياء، أنه ما من جسيمان من المادة يتلامسان حقًا؛ إنما اتصالهم افتراضي فحسب. مجال من القوة المتنافرة اللانهائية يحيط بكل ذرة. حينما يعمل الكون الكُلي على تضاغط وتلاقي ذرتين، فإن تلك العملية الديناميكية لا يمكن اختراقها لحدوث اللقاء الحقيقي. والأمر نفسه مع الأرواح. كل واحد مّنا يعرف مراراته وأفراحه ومخاوفه وآماله، ولذا ما من غريبٌ حقًا سيستطيع تلمس هذا، ولكن وبكلمة أو بأخرى فقط الاقتراب، وتبادل الإشارات، كسفنٌ بعيدة في العاصفة. 

أوه، يا لمرارة الأفكار لتفحص

كل عزلة الإنسان!

الطبيعة بقوانينها المغناطيسية 

دائرةٌ إثر دائرة ترسمها

لكنها تتلامس فقط إن إلتقت

لا تنجلي، ونظلُ غرباء

أستكون هكذا أبدًا

آلأرواح تظل منيعة؟

ألا يمكننا الوقوفُ عدلًا ابدًا

روحًا بروح، كما يدًا بيد؟

أهل الروابط معقودة ابدًا

حتى تُعيدنا غرباء مجددًا

كل فرد في صراع مع مصيره، لا في المسرح العام للأحداث، بل في غاية السرية. ما يراه العالم من الإنسان إلا حين يخرج من  صراع محتدم، نصر مزدهر، أو ضحية مقهورة. نكره أو نُشفق، نتضرع أو ننام، نضحك أو ندمي، نتأفف ونشتاق؛ لكن على انفصالٌ لا يمكن اجتيازه، كجُزرٌ هنا وهناك، تحوم البحر، فيما تحول المضائق بيننا. يظل الأمر الحقيقي هو أنه بالرغم من نحيب وضجيج كل فرد منا، وما يمثله حقًا، وما تمثله أعمق علاقاته الروحية، إنما يعيشها بمفرده. 

حينما يقع كل هذا، فقط قلة من الأشخاص سيجدون عزلتهم معاناة. هناك تجربة أخرى، أكثر انفتاحية للإطلاع عليها، واكثر مرارة لاحتمالها، ألا إنها مع حدتها، تدعو إلى الرفقة. ما تكون تلك الرفقة؟ وما هي ظروفها؟ تنتمي العزلة بالضرورة إلى جوهر وبنية ومحتويات كل شخصية نتقبلها، كقانون لوجودنا وظروفها. لكن أن تملك شخصية فردانية، هي أن تعرف كم مميزة هي الوحدة كتجربة. 

في الدرجة التي تتمثل فيها الروح الفردانية، لهي ما يجعل الروح غير مفهومة للآخرين. وكلما كانت الروح مختلفة عن الأرواح التي حولها، كلما زادت الرغبة الأعظم في رؤية انعكاس نفسها عندهم، أن تكون مفهومة عندهم، موضع تعاطف وابتهاج عندهم. قصة شامسو الفريدة من نوعها، قصة بيتر شليميل، أو قصة رجل بلا ظل، تمثل هذا بقوة. كلما غدى بيتر المسكين، سبب انعدام ظله له الإهانه بسبب شيء من حالته الفردية البائسة. كل يهودي، شرير، أحدب، تلميذ فظ، يتجسس عيبه المميت، ويرشقه الغوغاء بالطين. قضى لياله ونهاره متوحدًا في غرفته في مآساة انفرادية. وفي النهاية، أخذ نفسه إلى كهف في ذيابس. 

ليس مجرد أن يكون المرء بمفرده هو ما يشعره بالوحدة. في صياغة السير توماس براون الجذابة يقول  “أولئك من تكمن أفكارهم على عجالة وخوف في دواخلهم، من المرجح أن يلجؤوا إلى الصحبة من أجل الانعتاق من زحام أنفسهم الداخلية.” 

حينما تنتهي مهامنا الصاخبة، وحين يتقاعد زملاءنا في العمل، وتُضع أجهزة العناية الخارجية جانبًا، ويكتسح وقت الفراغ عوالمنا الداخلية، يمككنا حينئذ أن نقول أننا لسنا منشغلين بالكامل، كما نتهيء. لذا فالفرد، كما قال سكيبو عن نفسه، لا يكون في حقيقة الأمر أقل عزلة مما لو كان في عزلة فيزيائية. إن كانت عزلته قد مُلئت بالحضور الروحي، فقد وهب هذا عقله ما يتشاغل به، ويُبقي على وعيه متدفقًا.

من يتأمل، أو يعتزل أو يحلم لا يكون

وحيدًا: وهو يأنس بالغني من الأفكار والأماكن

إنما الوِحدة الوحيدة – يالعتمتها وعماها! 

هي حينما لا توافق التخيلات العقل؛

حينما يتعب الفؤاد من الكل ويشقى

ويبدو مُغتمًا في الأنحاء، فيما يرى جدران الزنازين. 

طالما استمرت تيارات تدفق الأفكار والعواطف بالصعود والأفول بحرية، لا نحتاج الرفقة لجعلنا سعداء: أما حينما تفشل تلك الحالة، ما من مجتمع يستطيع صرف رزوحنا المؤلم تحت ألم وحدتنا. ما الطريق إلى خوالج هنيِّةٌ ببساطة، إلا أفعال وردات أفعال مطمئنة من الروح وما يحيط بها. ما إن يُستوعب ذلك، حتى نجد الرفقة في كل مكان. الصمت رخيم، والهجر نفسه فعلٌ اجتماعي. ومن ثم يمكن للمرء أن يُعرب. 

هناك بهجةٌ في الغابة اللامعمورة 

هناك نشوةٌ في الشاطئ الخالي

هناك مجتمع حيث لا يتطفل أحد

في أعماق البحر، وموسيقاه التي تهدر

أحب الإنسان قليلًا، والطبيعة أكثر

من تلك المقابلات الجارية أقتبس

كل ما قد أكونه، أو كُنته مُسبقًا

لأتوحد مع الكون، وأشعر

بما لا يمكنني وصفه، ولا يمكنني إخفاءه

اترك تعليقًا

Please log in using one of these methods to post your comment:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s