كولن ولسون، تعليقات عن التعليم

ترجمة لـ Comments on education لـ Colin Wilson

واحدة من أكثر التعليقات إثارةً للاهتمام فيما يتعلق بالتعليم،كانت قد وُضعت بواسطة تلميذ جورج غوردجييف؛ أوسبنسكي. كانت تعليمات غوردجييف تفيد فيما مفداه بالطبع، أن الوعي الإنساني الإعتيادي في نوع من أنواع السُبات أو النوم، وأن معضلتنا تتمثل في دفع أنفسنا إلى نوع من اليقظة. لاحظ أوسبنسكي أنه تأثر بتعاليم معلمه غوردجييف أثناء تدريسه لطلابه، وقد أفضى ذلك إلى تعميق وعيه بما تعنيه تلك التعليمات بالفعل.

توقف أوسبنسكي عند حقيقة أساسية مفداها أن كل التعليم الحقيقي، إنما هو في جوهره تعليم-ذاتي. كنت قد صُعقت بذات الاستنتاجات حينما كنت في الولايات المتحدة ألقى محاضرات في الستينيات من القرن العشرين. كنت قد وصلت إلى بلدة غريبة، وكان يُقادُ بي من خلال سيارة أجرة من فُندقي، وحتى الجامعة. كنتُ دائمًا ما أتطلع إلى الطريق من خلال النافذة، في حال كان يتحتم علي قطع الطريق مشيًا على الأقدام. لكنني سريعًا ما لاحظت أن أفضل طريقة لتعلمي الطريق من فندقي إلى الجامعة، هي ببساطة أن أذرع الطريق مرةً سيرًا على الأقدام. أعطتني التجربة تلك “شعورٌ” مختلف تمامًا للمكان. فيما كنت أمشي حول الطريق، بدا الأمر مجهولًا تمامًا بالنسبة لي، تمامًا كمئات المُدن الأخرى. في اللحظة التي ذرعت فيها الطريق على قدماي، أكتسب الطريق هويته الخاصة كشخص ما.

بدا الأمر مثيرًا للاهتمام عند ملاحظته. إذ لا يهم كم من مرة حاولت وبمشقة فيها أن أعرف المكان فيما كنت أنظر من نافذة السيارة. بدا الأمر كما لو كانت انفصالية تجربة أن يُقاد بك السيارة كانت قد منعتني من أن استغرق في الاهتمام، ذاك الذي جاء بشكل طبيعي ما إن كنت أذرع الطريق على قدماي. وضّح سقراط النقطة نفسها مع مينيو.

أمسك سقراط رِقٌ ذكي، بلا معرفة مسبقة عن الهندسة، وبدأ في سؤاله عدة اسئلة صحيحة، فيما قادت إلى استنتاجه إلى عدد من الخصائص الإقليدية. أثبت هذا الأمر بالنسبة إلى أفلاطون، أن البشر يختزنون جميع المعارف في داخلهم، لكن المعضلة الرئيسية تتمثل في كيفية استخراجها. بكلمة أخرى، ما المعلم إلا نوع من القابلة بكلمة أخرى.

بدا الأمر لي كخطوة مهمة في الاتجاه الصحيح. ما يصعب ملاحظته هو، أنه ما الأفضل من القابلة إلا التلميذ نفسه. إذ ما المعرفة التي تأتي من مصادر أخرى، إلا محض معلومات. وفي سبيل تحويل تلك المعلومات إلى معرفة حقيقية، على المعلومات أن تختزن بواسطة ذاك العنصر العقلي، الاهتمام، والتشرب الشخصي.

تستطيع تذكر توم سوير الذي خلص إلى الاستنتاج نفسه، حين أجبرته خالته بولي على دهان الحائط. ومن خلال تظاهره انه كان يستمتع بوقته، استدرج نصف اصدقاءه على استحثاثهم له على ان يستعملوا فرشاة الدهان، عارضين عليه مختلف المقايضات. وضّح مارك توين قائلًا: “العمل هو ما نحن مرغمين عليه، واللعب هو ما نحن لسنا بمرغمين عليه.” يمكننا إعادة صياغة هذا بقولنا: “التعليم السيء هو نوع من أنواع العمل. والتعليم الجيد هو نوع من أنواع اللعب.”

تلمس فرانسوا رابليه الحقيقة نفسها في أولى كتبه؛ غارغانتوا وبانتاغرويل. ظهر ذكاء غارغانتوا الخارق في سنوات عمره الخمس، بطريقة مختلفة حين انتخب دميته. وعلى صدى والده الذي علم ابنه على يد معلم عادي. نتج ذلك، على حد قول. ان غدى الولد غبيًا، حالمٌ وأبله. لذا طرد والده الأستاذ ساكز جولين، وعين بانيرز، الذي كانت افكاره عن التعليم تحث تلامذته إلى نهج ما يجدونه مثيرًا للاهتمام بالنسبة لهم، مما يساعد هذا على ثبات ورسوخ ما تعلموه.

لذا، فيما مضى، وتحديدا في 1540s تلمس رابليه بالفعل أبسط المبادئ في التعليم. أن نحث العقل اللاواعي للطالب على تعليم نفسه. تبدو تلك قاعدة كونية، لا من حيث تطابقها على الإنسانية أجمع، بل حتى على المخلوقات دون الأدمغة. في عام 1960s وضع عالمي الحيوان الأمريكيان؛ روبنشتاين وبيست تجربة مثيرة للاهتمام مستعملين فيها ديدان البلاناريا. مخلوق بسيط للغاية، ولا يملك معدة ولا دماغ ولا نظام عصبي. أغرب ما كان الأمر فيما يخص البلاناريا كان هو إذا ما علّمت إحدى الديدان المفلطحة -وهذا تمامًا ماهي عليه البلاناريا- أن تتجنب السلك الكهربائي، فإنك تطعمها لدودة مفلطحة أخرى. ستتجنب الديدان المفلطحة الأخرى كذلك المجال الكهربائي ذاته، معممين في تلك الحالة أن تعلم تلك التجربة بالنسبة للديدان قد سرت في كامل أجسادهم. بتلك الطريقة، يبدو لي الأمر كتجربة رمزية جيدة لما تبدو عليه العملية التعليمية.

غير ان روبنشتاين وبيست تعلما شيئًا أكثر اثارةً للاهتمام وأكثر قيمة فيما يتعلق بالديدان المفلطحة. إذ جربا وضع الديدان المفلطحة في أنبوب بلاستيكي مليء بالماء، وهناك زر يسرب كامل المياه في نهاية هذا الأنبوب. عندما حدث هذا، تسارعت الديدان المفلطحة بشيء من الذعر، لانهم يحتاجون إلى المياه للعيش.

سريعًا ما ضمن العالمان أنبوبان على هيئة شوكة، إحدى ذراعيها مضاءة وأخرى ليست كذلك. انسابت المياه في الضفة المضاءة. وفي خلال لا وقت تقريبا، تعلمت البلاناريا الانعطاف ناحية الضفة المضيئة، سواءً أكانت يمنةً أو يسرى.

وبعدها حصل شيء أكثر اثارة للاهتمام. إذ بدأت البلاناريا تنعطف إلى الضفة الخاطئة، ومن ثم بدؤوا بالتصرف بغرابة أكثر. حينما بدأت المياه بالتسرب، ظلت ديدان البلاناريا المفلطحة هناك فحسب، كما لو كانوا يقولون: “أووه يا إلهي، ليس مجددًا!” كما لو كانوا يفضلون الموت عوضًا عن البحث عن المياه

صدم روبنشتاين وبيست بهذا التصرف، وقفز أحدهم إلى أحد الاستناجات أنه من المحتمل أن تكون الديدان المفلطحة قد أصبحت ضجرة، لانهم تعلموا الأمر بسهولة شديدة. فيما قال الآخر: “لا تكن أحمقًا، كيف من الممكن أن تكون الديدان المفلطحة ضجرة، حين لا يملكن أدمغة حتى؟” ايًّا كان، قرروا إجراء تجربة أخرى لاختبار تلك الفرضية. إذ احضروا العديد من ديدان البلاناريا، واستعملوا أنبوبيين أحدهم كان مصنوع من بلاستيك الخشن من الداخل، والآخر كان ناعم. لذا على الديدان ان تعرف الفرق من خلال معداتهم. في الانبوب الخشن تدفقت المياه تجاه الصفة المضيئة. وفي الأنبوب الناعم تدفقت المياه ناحية الضفة المظلمة. بعدها قاموا بتحويل البلاناريا من إحدى الأنابيب للأخرى في خلال التجربة. في مبدأ تجربة الشق المزدوج ذاك، كان الأمر أكثر صعوبة لتمرسه، وفقط ثلث البلاناريا نجحت في الأمر، مقارنة بـ 90% من نجاح البلاناريا فيما سبق.

غير أن ثلث الديدان أولئك لم يرتدوا. من الممكن إعادة التجربة مئات المرات، غير ان الديدان كانت لتصل إلى المياه ما إن تتسرب المياه من الأنبوب. بكلمة أخرى كن قد أصبن بالضجر نتيجة أنهم تعلموا الأمر بك سهولة. كانت النتائج ان تعلمهم ذاك لم يصل إلى العقل اللاواعي للديدان، حيث يترسخ.

يبدو المبدء الأساسي واضح للغاية. التعليم الحقيقي هو ذاك الذي تضع فيه كامل اهتمامك وحماستك. اظن أن هذا ما كان يقصده أدوين حين قال لأحد اصدقاىي؛ هيكستال سميث، أن هدف التعليم هو استثارة أكبر عدد من الموصلات العصبية التي يستطيع تحملها الطلاب، قُبيل تشبعهم.

اترك تعليقًا

Please log in using one of these methods to post your comment:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s