التطور التاريخي والتقني للحاسب الآلي

عرفت الإنسانية منذ بزوغ الحضارة تسخير الآلة لخدمة الإنسان في شؤونه في أصغر المهام، كتسخيره الآلة كالمعول والفأس في الفلاحة، إلى آلات أكثر تطورً مثل جهاز الإسطرلاب، وتطوير الإغريق لآلية أنتيكيثيرا – Antikythera clockwork وهي قطعة أثرية لآلة ميكانيكية معقدة من التروس والمسننات، اخترعها الإغريق للحساب الفلكي لمواقع الأجرام والتنبؤ الدقيق بالخسوف قبل التاريخ، وطورت المجتمعات المصانع البخارية والكهربائية، كما وطور الفيلسوف والرياضياتي باسكال أوائل نماذج الآلة الحاسبة في القرن الثامن عشر. وتتعد امثلة الآلات الميكانيكيكة، غير أننا سنلقي الضوء على الآلة القابلة للبرمجة في هذا المقالة. 

مفهوم الجهاز القابل للبرمجة وتشارلز باباج : 

يعد الحاسب جهاز ميكانيكي مصمم لحل المشكلات الحسابية، ولم تظهر فكرة الآلة القابلة للبرمجة أي التي بإمكانها التعامل مع المدخلات، أي البيانات المعطاة للحاسب الذي يعمل على معالجة تلك المدخلات ثم بثها في صورة مخرجات حتى عام 1823، وتحديدًا على يد الفيلسوف والعالم الرياضي البريطاني تشارلز باباج ( 1871- 1791 ) الذي ضاق ذرعًا بالأخطاء التي يرتكبها الإنسان في حساباته، مما دعاه إلي هيكلة هذه العملية بحيث يقوم الحاسب بها، وعمل على تطوير ونمذجة جهازه محرك الفرق – difference engine بعدما تلقى تمويلًا من الحكومة البريطانية حتى يطور آلته، غير انه توقف عن إكمال مشروع وأتجه إلى تطوير آلة أخرى سماها المحرك التحليلي The analytical engine التي استلهم منها العديد من كتاب الخيال العلمي، وبالأخص بروجيكت إيتو اعمالهم، ومنه عمل المحرك التحليلي – The Analytical Engine ضمن المجموعة القصصية؛ المستقبل هو اليابان. وتقوم فكرة آلته على تصوّر آلة من شأنها أن تؤدي أي حساب منطقي تلقائيًا. وتتبنى الحواسيب الحديثة تصميم اجهزة باباج. 

آدا لوفلايس، أول مبرمجة حاسب :
طورت تلميذة تشالز باباج، وعالمة الرياضيات، أدا لوفلاس (1852 – 1815) ابنة اللورد والشاعر بايررن، فيما بعد لغة برمجية للمحرك التحليلي آنذاك، وذلك من خلال كتابتها للأوامر البرمجية التي بإمكان الآلة من خلالها تنفيذ العمليات الرياضية، وسميت إحدى اللغات فيما بعد على اسمها Ada تخليدًا لذكراها. 

الأجيال الثلاثة للحاسب، والإحتدامات العسكرية لتطور الحاسب الآلي: 

الجيل الأول، آلان تورينغ، والحاسب الكوني، ومحطم الشيفرات كولوسس:

آلان تورينغ والحاسب الكوني – 1936 :
طور آلان تورنغ ( 1954 – 1912 ) فكرة الآلة الكونية أو الآلة العامة، وهي آلة لمعالجة الرموز عامة الأغراض، وقادرة على أي شيء يمكن للمرء التعبير عنه كبرنامج – اي كتسلسل منظم من الخطوات المنطقية أو الخورازمية، باستعمال النظام الثنائي (0,1)

أول حاسبة إلكترونية – 42-1937 :


على الرغم من أن قصور التكنولوجيات في زمن باباج قد حال دونه ودون تنفيذ أفكاره وتصميمه على أرض الواقع، ألا أن الفيزيائي والمهندس جون أتاناسوف ( 1995- 1903) قد طور وبنى مع فريقه العلمي نموذجًا لأول حاسبة إلكترونية مستعملين فيها النظام الثنائي، أي باستعمال الصفر والواحد. 

كولوسس (1943–1945) :


في أثناء الحرب العالمية الثانية استعملت الصمامات الإلكترونية valves التي كانت على هيئة مفاتيح Switches إما أن تكون off أو on ويمكن تمثيلها بالنظام الثنائي (0,1) في مجموعة الحواسيب التي تم تطويرها في بريطانيا المسماة كولوسس (1943–1945) والتي استعملت في تحليل الرموز السرية لآلة التشفير الألمانية لورينز. واستعملت حواسيب كولوسس صمامات ثيرميونيكية (الانابيب المفرغة). لأداء العمليات البوليانية الجبرية والعمليات الحسابية. وبالتالي يعتبر كولوسس أول حاسوب في العالم: الكتروني، ورقمي، وقابل للبرمجة، رغم انه قد تمت برمجته من خلال مفاتيح ومقابس وليس ببرنامج تخزن فيه البيانات، بل كان عن طريق إدخال أوراق مثقبة. سمحت حواسيب كولوسس للحلفاء بالحصول على كم هائل من  الخبرات الاستخباراتية العسكرية لاعتراض المراسلات اللاسلكية، بين القيادة العليا للجيش الألماني وقطاعات جيشهم، والقيادات خلال المناطق الاوربية المحتلة. 


حلم باباج وقد أصبح حقيقة – 1944 :


مولت كذلك في هذه الأثناء شركة IBM والجيش الأمريكي فيما بعد العلماء في الولايات المتحدة القائمين على مشروع جهاز MARK 1 – 1944 من تطوير هوارد آكين من جامعة هارفدر، وكان مارك ١ مماثلًا في التصميم للمحرك التحليلي، حتى قد سُمي “حلم باباج وقد أصبح حقيقة!”، وهناك نموذج محسن تحت اسم اسم كولوسس مارك اثنان، والذي استعمل  لفترة من الزمن في عام 1944 وقد تمت إعادة بناء نسخه من مارك ٢ ولا تزال محفوظة حتى اليوم في المتحف العالمي للحواسيب في بلتشلي بارك في ميلتون كاينس، بريطانيا.

إينياك – 1946 :

تم بناء الإنيكا في جامعة بنسلفانيا في الولايات المتحدة للتطبيقات العسكرية، وذلك باستخدام تقنية الصمامات. إذ يزن الإينياك حوالي 27 طنا ويشغل مساحة أرضية تبلغ 63 متراً مربعا. تم استخدام الإينياك بشكل أساسي لمعالجة الحسابات المطولة للجيش الأمريكي، خاصة فيما يتعلق بالقنبلة الهيدروجينية. تمت برمجته باستخدام المقابس والأسلاك، وتطلب فريقًا من المشغلين لإعداده وتشغيله. استغرق العلماء أسابيع لمجرد معرفة كيفية إعداد برنامج معروف، واستغرق تنفيذ إعداده أيامًا أخرى. إذ لا توجد طريقة لحفظ البرنامج، لذا فإن العودة مستقبلًأ إلى نفس الحسابات في المستقبل تطلبت أيامًأ من التكرار في تنفيذ العملياتـ بالإضافة إلى هذه المشاكل، كان الإينيكا في البداية غير موثوق به للغاية بسبب أعطال الصمامات التي كانت قيد الإصلاح بنفس معدل عملها. على الرغم من هذا، تحسنت الصمامات وأصبحت أكثر مصداقية.

الجيل الثاني، استعمال الترانزستور:

ركزت حواسيب الجيل الأول على استعمال الصممات، وكانت أهدافها تخدم أهدافًا عسكرية في تحطيم الشيفرات إبان الحرب العالمية الثانية. في نهاية 1950s بدأ العقد الثاني من الحواسيب مستعملًا الترانزستور، وهي رقائق كرستالية من السيلكون، التي بإمكانها توصيل الكهرباء عن طريق الدائرة الكهربائية، تماما مثل الصمامات، في مساحة صغيرة القطر، مقارنة بالصمامات التي تشغل حجمًا وكلفةً كبيرة، ولا تؤدي ذات الكفاءة في السرعة، اضافةً إلى حجمها وتكلفتها المرتفعة، إذ بلغ سعر حاسب شركة IBM في عام 1955 ثلاث وثمانون ألف دولارًا. خلال بداية 1960 طُور نوع جديد وأصغر من الترانزستور الخاص بالكومبيوتر، وعادة ما يشار إليه Minicomputer الذي جاء بحجم الخزانة، وجاءت معه عدة ملحقات كالشاشة ولوحة المفاتيح، وكان يكلف 16,000 دولارًا في عام 1964 وبالرغم من هذا كان يشغل حيزًا كبيرًا. 

الجيل الثالث، استعمال الدوائر الكهربائية:

جاء الجيل الثالث من الحاسب عن طريق تطور دارة الدائرة الكهربائية المعروفة بالصفائح السيلكونية، مما أعطى سرعة في معالجة الحاسب، وتقلصًا في الحجم والكلفة. وبدأ جهاز الحاسب الآلي يبدو اكثر قربًا من أجهزتنا التي نستعملها الآن، فمقارنة بالبطاقات المثقبة punched cards التي كانت تستعمل فيما سبق كوسيلة للتعبير عن المدخلات input أو البيانات، والأوراق المثقبة كمخرجات، أصبحت لوحات المفاتيح والشاشات أوثق صلة بالآلة نفسها. كما وشهدت تلك الفترة تطورًا في ظهور الأقراص المرنة، وكان أول حاسب استعمل تلك التقنية في عام 1964. 

 

 الجيل الرابع، الحاسب الآلي كما نعرفه اليوم: 
ظهرت مع نهايات السبعينيات 1970s وبداية الثمانينات ظهور المعالجات الدقيقة – Microprocessors  وهي دائرة كهربائية متكاملة integrated circuit تتضمن وحدة المعالجة المركزية (CPU) التي يمكن إعتبارها البنية الأساسية للحاسب مقارنة بالوظائف الأخرى، إذ تنظم تعاليم البرامج وبياناتها المتضمنة. جلب تطور وحدة المعالجة المركزية (CPU) إلى وحدة مستقلة عدة منافع منها تقليص الكلفة، وزيادة سرعة المعالجة، وضم عدة قطع إلكترونية معًا، وأصبح الاقتناء الشخصي للحاسب من الممكن لأول مرة تاريخيًا. كما تعاقبت جهود شركة IBM في توفير أجهزة شخصية مكتبية، كما تتابعت جهود شركة Apple’s Macintosh في التسعينيات على توفير أجهزة تجارية صغيرة الحجم، لاقت شهرتها في الإدارات التعليمية، وفي الاستعمالات الشخصية حتى يومنا هذا. 

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s