كولن ولسون:  قراءة في الإرث الفكري للوجودية الجديدة

متى ما وقعت على انشاء لا تكلف فيه تستشعر دهشة وافتتانا، لانك توقعت ان ترى كاتبًا فوجدت إنسانًا. أما اصحاب الذوق السليم فهم إذ يتصفحون كتابًا يحسبون انهم سيجدون إنسانًا، ولشدّ ما يدهشون اذ يَرَوْن مؤلفًا.

خواطر باسكال، صفحة ١٧



نقف عند غالبية أعمال كولن ويلسون هكذا، مأخوذين من الإنسان الذي نقرأ له قبل أن يكون مؤلفًا، إذ تتجسد كتاباته بشيء من الإيجاز والوضوح الدالين على المبادئ والقيّم التي يستقي منها مواقفه الفكرية والفلسفية دون اللجوء للغموض أو زخرفة المصطلحات، فهناك نوعين من الخُطب الفلسفية على حد قوله، خطابٌ يمتاز بسهولة مصطلحاته وبتعريفاته للقارئ وعذوبة لغته، كلغة أفلاطون وغيره، وخطاب يمتاز بتركيزه على بداهة القارئ وفطنته لما يقرأ، حتى يخلص منه بالمعنى والفهم، مثل لغة أرسطو، وتتمثل كتابات ولسون في النوع الأول، وهذا ما نراه متمثلًا حتى في كتابته لسيرته الذاتية الذي كتبها في شيء من الإيجاز والمصداقية لخطوط حياته الرئيسية من أسفاره وصعوده وأفوله، وإن كان موقفه من الترجمة الذاتية أو من ترجمته الذاتية لنفسه تحديدًا يعتريه شيء من التفكر في جدواها، إذ يقول أن أحداث حياته لا تثير لديه ما يكفي من الاهتمام له في أي ينقلها كترجمةٌ ذاتية، بل يرى كما يرى إيرنست همنغواي أن الأدب القصصي هو الموضوع الحقيقي للترجمة الذاتية؛ إذ يتيح للكاتب أن يستخدم المادة الحياتية لصاحبها كحبكة قصة كما فعل ولسون في رواية “ضياع في سوهو” التي جسدت جزء من حياته كمشرد في سوهو أحد أحياء إنجلترا، غير أنه وما إن كانت تكمن الصعوبة في فصل المعرفة الموضوعية عن المعرفة الذاتية، كان لزامًا علينا في أي محاولة منا لفهم نصٍ أو فن أدبي، أن ننظر في الخلفيةُ التاريخية والفكرية التي تطورت معها هذه البذرة، وهنا تكمن أهمية قراءة النص في ضوء الخلفية الأدبية له. 

علائم الرومانتيكية العدمية، وجذوة العاطفة الأخلاقية

وُلد ولسون يوم 26 يونيو، سنة 1931 لعائلة من الطبقة العاملة، إذ كان أبوه يتقاضى ثلاث جنيهات وشلنين أسبوعيًا، وكان مُحتد المزاج طوال الوقت بسبب تأثير المشروبات الكحولية التي يتجرعها طوال الوقت كوسيلة هرب نفسية من أحوالهم الاجتماعية والاقتصادية. كانت والدته ربة منزل، لكن ظروف عائلتها المادية ألجئتها على الخروج والعمل. نشأ ولسون مع شقيقه الأصغر باري بين عائلته الصغيرة في ليستر، وقضى جزء من طفولته مع أبناء خالته وأعمامه، إذ كان الحفيد الأول في العائلة، وامتازت طفولته بشيء من الدلال وشغب الطفولة وتحدي سلطة المجتمع مُتمثلًا في اختلاس الحلوى والمطاوي الحديدة من المتاجر التجارية، إذ يقول عن تصرف الأطفال السلوكي ذاك:

وقد اعتدت أنا وجون أن نسير إلى المدينة، إذا لم نكن نملك أجر ركوب الباص. ثم نتجول في المحلات الكبيرة، نسرق سكاكين الجيب وهدايا عيد الميلاد، وأي شيء آخر لا تصعب سرقه. ليس للأطفال ضمير بالطبع، هم أبرياء كالمتوحشين، وهم مثل المتوحشين يحبون الدمي والحلوى الصغيرة والأدوات الضئيلة. ولم يحدث أبدا أن شعرت بوخز ضمير السرقة – كما لم يحدث أبدا أن شعرت بشيء مثل هذا حينما كنت أتذكر ما سرقته. ولقد كنت مقتنعًا بأن كل أطفال ليستر جديرون بأن يطوا على المحلات الكبيرة كالجراد. على أن اعتياد السرقة شيء مختلف؛ فالسرقة هنا موجهة ضد سلطة المجتمع، وصاحبها يتعرض لخطر عقاب أشد وطأة وربما كان تطور جان جينيه أكثر شيوعا مما نظن – أعني تطوره من لص إلى متمرد وإلى نوع من اللامنتمي

رحلة نحو البداية، صفحة ٢٨-٣١

ثُم انه ورث عن والدته حساسيتها العاطفية وحبها للأدب والشعر، وشب شغوفًا بالعلم وبالكيمياء خصوصًا، وكان يهوى حين كان طفلًا في الحادية عشر من عمره صنع القنابل اليدوية المنزلية باستخدام المواد الفائضة التي يخفيها جيش البلاد آنذاك إبان الحرب العالمية الثانية في الأرياف.

وكان اكتشافي للخاصية الانفجارية لمادة كلوريد البوتاسيوم المخلوط بالسلفات إذا ما ضربت بالمطرقة بشدة، كان هذا الاكتشاف بداية نوع من الجنون يبدو أنه انتشر حتی ملئ ليستر كلها. كان من الممكن أن أحصل على كلوريد البوتاسيوم في صورة نقية تقريبا في أقراص علاج التهابات الحلق وفي أثناء شتاء عام ١٩٤٢ اهتزت منطقتنا بأصوات الانفجارات. و كان بوسعي أن أصنع قنبلة من نوع ما بأن أخلط كميتين كبيرتين من هذه المواد وأضعها في اجوزة من ثمار البلوط مع حصاتين كبيرتين: ثم ألقي القنبلة عاليًا في الهواء حتى إذا ارتطمت بالأرض انفجر المخلوط وطارت الجهتان بقوة في أي اتجاه، وحطمت نوافذ كثيرة هذه الطريقة، وأظنني أيضا مسؤولا عن انتشار وباء استخدام كربونات المعادن.

رحلة نحو البداية، صفحة ٤٥

لكنه بعد ذاك ان تقدم في السن، وفي سنة السادسة عشر تحديدًا، وفي خضم الواقع الاجتماعي الذي يعيشه، وإلى جانب تفاقم شعوره بالمحدودية والعدمية والاكتئاب، الذي رزح معها إلى شعوره بثقل أيامه ووجوده عليه، إلى جانب رسوبه في المدرسة وحالته الاقتصادية التي بمقتضاها منعته من إكمال دراسته، وانخراطه في العمل لمساعدة والده على إعالة حال الأسرة المادية، بعد أن ترك اخيه المدرسة في سنة الرابعة عشر للأمر نفسه، وبعد أن كان يرضخ تحت وطأة الواقع، وتحت ضغط عمله القاسي من السادسة صباحا حتى الثامنة مساءً دون أن يكون هناك من فسحةٌ عاطفية أو روحية له، كان قد أقر العزم بالفعل على الانتحار، حين لاحت له علائم الوجود القائم في وجه الموت عند الفيلسوف الوجودي هيجل، وهو الإدراك المفاجئ لقيمة الحياة، والإصرار والشدة، مُتعاليًا عن الرضوح تحت وطأة محدودية الذات، فيصف ولسون تجربته تلك.

حلم غاية ما، صفحة ١٦١-١٦٨


عندما بلغت السادسة عشرة من عمري عزمت على الإنتحار، ولم يكن قراري هذا محض نزوة عاطفية وليدة لحظتها بل كان يبدو قرارا منطقيا بالكامل في لحظة إتخاذه: فقد كنت تركت المدرسة الثانوية في تموز 1947 بعد شهر من میلادي السادس عشر و كنت أتطلع إلى الحصول على منحة جامعية ولكن والدي أراد لي الانخراط في العمل والمساهمة في الميزانية المنزلية من غير تأخير. وقد كان عملي هذا مملا كئيبا و رتيبا يدعو إلى الغثيان و کنت عندما أقود دراجتي عائدة إلى المنزل كائنا مستنزفا و كئيبا إلى اقصی الحدود المتصورة وكنت أقضي الوقت القليل المتاح أمامي كل مساء في المنزل في قراءة الشعر كمحاولة لاواعية مني في بعث شيء من الراحة الذهنية و السكينة العاطفية داخل روحي المرهقة الخاوية، و على الرغم من محبتي الهائلة لـ (کیتس) و رفقائه من الرومانتيكتين فقد كان مزاجي العقلي الكئيب يجد انعكاسا له في قراءات من نوع الأرض اليباب ورجال مجوفون للشاعر والكاتب إليوت. كما تملكني شعور طاغ بأن الحياة ليست شيئا حقيقيا وما هي إلا اكذوبة وأن الزمان نوع من أنواع الخداع نمارسه مع انفسنا،،، و عندئذ بدأت أتساءل: لم يتوجب علي المضي في هذه اللعبة السخيفة التي لاجدوى ترتجی من ورائها؟ أليس الأفضل لي أن أتخلص من كل هذه الأوهام بان أدير مؤخرتي نحوها إحتقارا لها ثم أمضي و أقتل نفسي بهدوء لأضع حدا حاسما لمعاناتي القاسية؟!!، و في اللحظة التي راودتني فيها فكره قتل نفسي شعرت براحة كاملة ثم أدركت أنني مسؤول مسؤولية كاملة عن نفسي و عن قدري، و أن الله إذا كان مسؤولا عن قذفي في خضم هذه اللعبة المميتة و السخيفة في ذات الوقت فلست مرغما بأي حال و تحت أي ظرف أن أستمر في اللعب بالطريقة المفروضة علي، و عندما ركبت دراجتي لاحقا ذلك اليوم و مضيت للالتحاق بحصة الكيمياء في المدرسة وسط أجواء الحر الخانقة كنت أشعر بنفسي قويا ومتعاليا على وقائع الحياة اليومية العادية و متجاوزا لحالة الضعف والإنكسار الذليل، و كعادتي وصلت الصف متاخرا و نلت حصتي المقررة من توبيخ الأستاذ بلا أدنی علائم الاهتمام لما يحدث من جانبي، و عندها، سرت إلى غرفة المختبر الثانية التي فيها رفوف عليها زجاجات المحاليل والمواد الكيميائية، فتناولت قنينة في اول فرصة سانحة تحوي حامض الهيدروسيانيك و أزحت غطاء القنينة وبدأت رائحة اللوز النفاذة المنبعثة من الحامض تتسلل عبر انفي وكنت أدرك تماما أن رائحة هذا الحامض ستتكفل بقتلي في أقل من نصف دقيقة!! ، ثم حصل أمر غريب: أحسست بنفسي كائنين متمایزین عن بعض، و في برهة وعي عجيب تأملت ذلك المراهق النزق المدعو (کولن ويلسون) بكل بؤسه و إحباطه و بدا لي كائنا أحمق لا يستحق أن أعيره ادنی إهتمام سواء قتل نفسه أم لم يفعل، و لكن المعضلة كانت انه إذا مضى و قتل نفسه حقا فسيقتلني أنا الآخر معه!! وفي لحظة وجدتني أقف بجانب ذلك الغرو أهمس في أذنه: إنك ما لم تبطل عادة الإشفاق على الذات المستحكمة فيك فلن يكون في مقدورك فعل شيء ذا قيمة هذه الحياة، واذكر كيف أن ذاتي الحقيقة أخبرت ذلك المراهق: ” تريث ايها الاخرق و تفکر کم ستخسر عندما تمضي في إنتزاع روحك من جسدك”،،، وفي تلك اللحظة الغرائبية كان في وسعي أن استشعر الغنى السحري العميق والهائل الذي يحوزه العالم الحقيقي مما لم يكن بوسعي رؤيته أو تحسسه من قبل، ثم إمتد ذلك الإحساس الجارف ليأخذني معه بعيدا نحو آفاق لم أعهدها أبدأ من قبل. أعدت غطاء قنينة حامض الهيدروسيانيك القاتل إلى موضعها، وسرت بهدوء إلى صف الكيمياء التحليلية وأنا أشعر بإسترخاء عمیق و بخفة في القلب و قدرة على ضبط النفس لم أختبر مثيلا لها في حياتي، و من المثير للغاية أن أذكر أنني و بعد أربعين سنة من محاولتي الإنتحارية هذه أخبرتني السيدة (مارلين فيرغسون) ونحن نتمشى على ساحل إحدى البحيرات في كاليفورنيا أنها لطالما آمنت أن كل من أنجز عملا ذا أصالة يعتد بها في حقل الأدب أو الفلسفة قد إختبر حتما تجربة أن يكون على شفير هاوية الانتحار يوم ما في حياته، وثم تساءلت، بالنسبة لي فأنا أيضا أظن أن تجربة الإنتحار توفر للمرء إمكانية فريدة -لا تتاح للآخرين- في معاينة الهاوية السحيقة التي هو مزعم على الرحيل إليها وهنا تتحقق له قدرة عجائبية في الفصل بين ذاته الحقيقية المبدعة بكل ما تحوزه من فرادة و بين ذاته الأخرى النزقة العابثة، وفي هذه اللحظة المفصلية تستحيل تجربة الانتحار نوعا من إعادة ولادة لذات خلاقة عجزت عن رؤية إمكاناتها الثمينة قبل هذه التجربة الفريدة، عندها بدأت عام 1955 بكتابة كتابي الأول اللامنتمي

وإذًا، وبعد أن ترك ولسون المدرسة في سنته السادسة عشر، يشير علينا عن تجربته الدراسية التي امتدت احد عشر عاما بقوله:

رحلة نحو البداية، صفحة ٦٠-٦٣



هذا فيجب علي أيضا أن أعترف بأني قد تعلمت قدرًا صغيرًا لا يمكن التقليل من شأنه من خلال الأحد عشر عاما التي قضيتها في المدرسة. لقد تعلمت عن الأدب في شهر واحد من القراءة العشوائية غير الممنهجة أكثر مما تعلمته من ساعات دراسة كتاب الأدب الإنجليزي في المدرسة؛ وتعلمت عن العلم ما يزيد عشرة أضعاف عن كل ما كان يمكن أن أتعلمه في المدرسة، من خلال كتابة “الموجز”، في ستة أسابيع.

ومن المؤكد أنني قد تعلمت خارج المدرسة أكثر مما تعلمته داخلها؛ وكانت قراءاتي الوحيدة حتى بلغت العاشرة مقصورة على المجلات الأسبوعية الفكاهية

إنني عاجز عن تقديم أي نوع من الأحكام العامة حول التعليم باستثناء ذلك الحكم الوحيد الواضح الذي ربما ينبغي أن يكون هدفه هو إقناع الاطفال بأن يعلموا أنفسهم، وسينتج عن هذا أيضا ازدیاد فرصة حصول كل منهم على قدر كاف من الوقت الحر وتحسين استخدام هذا الوقت الذي ربما لم يكن كله خيرًا أو بركة. هذا فمن المؤكد أن رجال التعليم عندنا قد استطاعوا أن يضعوا منهاجًا، محتم يتقرر التحكم في وقت فراغ الطفل على ضوء ما تحقق في المدرسة. ويجب علينا ان نعترف أن هذا المنهج إنما يعني أن الأطفال اللامعين سيحصلون على ما يمكن أن يكون إجازة منقطعة دائمة، بينما سيظل الاطفال المتخلفون مقيدين إلى حجرات الدراسة إلى الأبد، ولكن، أيكون هذا أكثر معقولية من سجنهم جميعا في حجرات الدرس دون تفرقة بينهم؟

ونتيجة وضع والديّ ويلسون الاجتماعي والمالي الذي كانوا يمرون به، كان لزامًا عليه الانخراط في الحياة العملية التي لم تكن تحمل له غير الأعمال الشاقة والأجور الزهيدة، والأسى والسآمة التي تبثها في القلب، كما يقول ويلسون في ترجمته الذاتية:

رحلة نحو البداية، صفحة ٧٢-٧٣

كانت وظيفتي هي السهر على أن تظل لدى النساء الكميات المناسبة من الصوف، ثم آخذ المغازل الى الطابق السفلي ووضعها في الصناديق. ولم يكن العمل صعبًا ولكنه كان رتيبًا مملًا. وكانت النساء يقطن جميعًا في الشوارع المحيطة بالمصنع وبدا عليهن التماثل الكامل مع منازلهن القذرة وحياتهن الجافة المجدبة التي وجدتها حياة مقبضة كعرصات الجحيم. كان من الصعب أن يفهم المرء لماذا يتطلع الناس أن يعيشوا بهذه الصورة دون أن تملأهم الرغبة في الانطلاق ونسف مبنى البرلمان وقصر باكينجهام الملكي بالديناميت، وما هذا فقد كان يبدو عليهم أنهم لا يتوقعون من الحياة شيئًا آخر. وجعلني العمل في هذا الجو أعي بحدة أن حياة أكثر الناس ليست سوى هزيمة طويلة الأمد، وأن حياتي أنا لن تكون أفضل من ذلك وأصبح إدراكي أكثر وضوحًا من أي وقت مضى أواجهه واختار بين الاستسلام للامعنى أو التكريس الكامل لهدف مقصود. لم يكن من الممكن أن تكفيني نزعة الهوية التي لا تكرس لما أريد سوى نصف عقلي، ولم يكن يفيدني أن أسود الصفحات في أوقات الفراغ. وكان من الضروري لي نفسيًا أن أنجز فعلًا عقليًا هو نوع من الالتزام الكلي، مثلما يفعل الراهب حين يقدم نذره بتكريس نفسه لربه. ولقد كان مثل هذا الفعل عَمَلًا مخيفًا مثلما تراهن بآخر فلس تملكه على رمية واحدة بالزهر، ولكن هذا الفعل كان هو السبيل الوحيد لخوض معركة دفاعية أطوف بها فوق هذا الطوفان. وكان من الضروري إلى درجة ما أن أخلق في داخل نفسي إحساسًا بالانفصال عن الناس وعن نوع الحياة التي كنت جزءً منها


التصعلك، التشرد والسفر

بعد أن نبذ ولسون الحياة العمالية والخدمة في الجيش وفي المصانع، حاول توفير المناخ المناسب له عن طريق سفره إلى فرنسا، غير أنها كانت رحلة مليئة بالمتاعب، ومُحملة بالمشقة بسبب قلة زاده، وانعدام معارفه هناك. ثم ان ولسون أخذ كذلك من وسائل التحرر والتخفف، فكان ينطلق بجولات بدراجته الهوائية، كما وقد نصب له خيمة في إحدى الحدائق العامة في سوهو، غير أن حال المدينة الثقافية، وحال المثقفين منه خيب أمله.

حلم غاية ما، صفحة ٢٦٨

كان حي سوهو مخيبة لأملي إلى أبعد الحدود: كنت أتوقع أن أجد فيه نوعا مثاليا، حرية الروح فإذا بي أكتشف أن أكثر ما كان شائعة هو الإفتقار إلى الثقة بالنفس و تلك سمة كنت أظنها تستوطن قلب المدن الكبرى فحسب، و بعد ستة شهور من تجربتي في سوهو لم اکن قابل أي فنانًا يؤمن بتكريس حياته لفنع و يتسامى عن مستوى الحياة اليومية العادية مع الإبتذال الذي يترافق معها في العادة، و بدا الجميع لي و كانهم يعانون ضغط هائلا يجعلهم واثقين من شي وحيد: فشلهم الموحد في المستقبل وهو ما أراه بالضبط المعنى الزائف للقبول باللامعنی و اللامبالاة و الحديث البائس عن اللاجدوى في الحياة، و لم أقابل أي إمرء هناك و هو مصمم تصميمة حازما وجادا على أن ينتج عملا عظيما في حياته، و رغم أننا نعيش عصر التخصص الصارم حيث يتطلب الأمر سنوات من الدراسة الجدية ليكون أمر ما متخصصة في الرياضيات أو التكنولوجيا فإن معظم من قابلتهم ممن ودوا أن يكونوا كتابا كانوا يفتقدون إلى أي تصور عن مدى الصرامة والجدية والتدريب الشاق – وقبل كل هذا الإنضباط الذاتي طويل المدى – الذي تتطلبه مهنة الكتابة

ولعله بعد ذاك إذ عايش ضحالة الحرية التي يزعمها الجميع، ترائت له أهمية العمل المنضبط وتكريس الذات.

الصوفية والبحث عن الحقيقة

نرى في ويلسون كما نرى في الرواقيين المحدثين ومن أهمهم أفلوطين ومذهبه في “الاستبطان” الذي يقوم على حد كبير على أن أعلى مراحل الوجود التي ندركها تتمثل من خلال زخم الحياة الروحية للإنسان الذي يمكن من خلال مراحل الشعور الإنساني إدراك الإسقاطات التي تجري على مستوى كوني، وهو المذهب ذاته الذي يتوافق نسبيًا مع  عالم النفس الأمريكي “أبراهام ماسلو” في موقفه الفكري مع “التجارب الذروية” التي تصف الاستجابات الذروية التي يصل من خلالها الوعي البشري إلى حالات من الغبطة العارمة وتفجر للطاقات الحيوية، مما يجعل العالم مع تلك الحالات الذهنية يبدو كثر إشراقًا ومفعمًا بالحياة.

تأثر ويلسون كثيرًا بموقف ماسلو في التجارب الذروية، غير أنه وعلى العكس من ماسلو الذي رأى أن تلك التجارب الذروية تحدث بمحض الصدفة وليس ثمّة وسيلة لحثها إراديًا، اختلف ويلسون مع ماسلو في هذه النقطة، إذ تدعو مواقفه الفكرية العديدة سواءً في فن الرواية والأساليب الأدبية، أو في علم النفس وفي الفلسفة الوجودية الحديثة أنه من الممكن استحثاث تلك “الومضات الرؤيوية الذروية”.

تأثر ويلسون أيضًا بالفلسفة الهندية وبالملاحم الأسطورية للديانة الهندوسية، وبالأخص ملحمة “البهاجافاد جيتا“، أو الكتاب المقدس الهندوسي، وهي ملحمةٌ دارت في 700 بيت بين الإله كريشنا، والمحارب أرجونا في فن تهذيب الذات ورياضة النفس والإرتقاء لأعلى درجات الوعي، وكان من تأثير الملحمة عليه إذ قال:

حلم غاية ما صفحة 96-98


ولأول مرة منذ سنوات عدة شعرت بالسعادة و بالصحة الجسدية. وساهمت «البهاجافاد جيتا›› أيضا في خلق إحساس بالتفاؤل، ورحت أحمل الكتاب في كل مكان. لقد بدا لي الآن بصورة واضحة أن القوة العقلية هي النوع الوحيد من القوة الذي يستحق أن يبذل في سبيله أي شيء وكانت المشكلة ببساطة هي أن يقدر المرء أنه على قيد الحياة. وقد يبدو هذا أمر بسيطة إلى حد بعيد؛ هذا فإن أكثر الناس لا يتعلمون أبدا كيف يستمتعون بحياتهم، لأنهم يعيشون بدرجة كبيرة من قصر النظر. البهاجافاد جيتا – أهم فصول القصيدة الملحمية الهندوكية الطويلة والمهابهاراتا هو الجزء الذي يضم صلب الديانة الهندوكية. تتكون الجيتا من ثمانية عشر فصلا أغلبها من صورة حوار بين أرجونا بطل الملحمة وبين سائق عربته الحربية كریشنا الذي جاء ليعلم البطل الحكمة، لأن كریشنا هو تجسيد للإله الأعظم فيشنو. و اسم هذا الجزء «البهاجافادجيتا، تعني : «أغنية الإله المبارك» لأن كریشنا هو الذي يعرض حكمته و أقواله فيها  و التي تدور معظمها حول شرح فكرة خلود الروح، وحول ضرورة اتخاذ موقف ايجابي في المجتمع و الحياة، وحول وحدة هوية كل الأنبياء و أنهم جميعا يمثلون فيشنو في تجسدات متعددة، و لكن المشكلة الأساسية لأرجونا هي مشكلة: كيف يتصرف الإنسان مع أعدائه وهو الذي يريد أن يكون طاهرًا؟ هي التي تفجر الحوار مع كريشنا، وتنتهي باقناع أرجونا بضرورة القتال، فيقاتل، وينتصر. وفي خلال السنوات التي قضيتها في المكاتب أو في صفوف الدراسة كنت أشعر بأن عقلي كان ببساطة حملا ثقيلا يجعل الحياة شيئا مزدوج أما الآن وقد أصبح جسدي صحيحًا وقويًا، فقد بدا لي أن العقل هو القوة التي تستطيع أن تحقق التحرر من الغباء و التفاهة التي وقع كل الناس في شر کھا. لقد منحتني الجيتا قدرة على التباعد عن التفاهة اليومية وجعلتني أدرك إمكانية وجود الذي يبقي عبر ملايين السنين. حقيقة أن أجزاء معينة من الجيتا تتناقض مع فكرة شو عن النشو والارتقاء. (وإذ أعيد فحصها الآن فإني لست واثقًا من أنهما يتناقضان). فقد كان كل ما يهمني هو أن أضمن قوة الإرادة الموجهة نحو السعي إلى الحرية الطلقة أن الإنسان هو أعظم الخطاه فسوف تحمله هذه المعرفة فوق خطيئته كما تحمله الطوق فوق الطوفان.


الرواقية وعصامية العمل

طور كولن ويلسون إلى جانب هذا كله سلوكنا رواقيًا، آمن من خلاله بأهمية الانضباط الذاتي والاجتهاد وكرّس نفسه للعمل وكانت سمة في شخصيته أدلى بها في أكثر من موضع منها:

“من الواضح أنني أحببت العمل الشاق وواظبت عليه طيلة حياتي وأخذت نفسي بالشدة والإنضباط الصارم الخليقين بإمرءٍ مدمن على العمل مثلي.”

حلم غاية ما


ولعلها كانت هِبةٌ تلك بإن يوهب العزيمةُ والمسؤولية على العمل التي أقامت أَوَدَه في ظل الظروف التي استبدت به، إذ يقول مُتفكرًا في حاله إن كان قد وهب من الاستقرار والكفاف المالي الذي يكفيه دون عوزه، وفي السيناريو المتخيل ذاك يقول:

“وقد بدا لي من الظلم الذي لا يصدقه احد أن القدر كان رحيما بحال مثل جيد، وفيربانك ودليوس، معينًا إياهم على الحياة مثل النساك، بينما لا أملك أنا أي أمل في أن أتحرر من الاحتياج إلى أن أكسب معاشي. ولم يساورني أي شك في أنني، لو صادفتني جنية طيبة ومنحتني هدية تكفيني طوال حياتي، لوجدت ‹‹برجي›› ولأنتجت تلك الأعمال التي تتلاءم مع متشائم يائس — الأعمال التي ستكون مزيجًا من شوبنهاور ورونالد فيربانك، و هـ. ب. لفكرانت.”

رحلة نحو البداية صفحة ٧١

روبرت أدلر، وتطور الوعي البشري

على طول مسيرة تاريخ الانسان الذي عشان بضع ملايين من السنين على الأرض، لم ينشأ ويتسارع في فؤاده حيرة وتسائله عن وجوده وماهيته في هذه الحياة، والدور الذي يلعبه فيها، سوى في بضع مئات السنين السابقة. أثبتت تجارب عالم الأحياء التطورية روبرت أدلر بدراسته لسلوكيات الكائنات الحية، أن 5% فقط من باقي المجتمع المكون من 95% من الجماعة الحيوية، يملكون سلوكًا قياديًّا، وحسًا متطورًا عن بقية المجموعة. وهو السلوك نفسه الذي نشهد تمظهراته مع عدد من السجناء، بعد أن فُصل من بينهم الـ 5% الذين يملكون صفاتٌ قيادية، ومسببين التمرد وعدم الانصياع، مقابل الـ 95% الباقية من السجناء الذين لم يظهروا تمردا، حتى مع بقاء سجونهم بلا حراس. ويركز ولسون في تحليلاته ودراساته الفلسفية المستفيضة عن شخصيات الـ 5% التي تشكل جزءً كبيرًا من هوية اللامنتمي.

ينقسم الجنس البشري تقريبا إلى نوعين من البشر: ۹۰ ٪ منهم يعرفون أنهم ليسوا عظماء ولن يكونوا، ويقبلون موقعهم من الحياة، ويستمرون في عملهم اليومي دون أسئلة كثيرة. وبقية الخمسة بالمائة، لديهم إحساس محدد بأنهم ينبغي أن يكونوا عظماء، وقد لا يعرفون كيف يحققون ذلك، إلا أنهم ينظرون حولهم، ولا يقتنعون ببساطة أن يكونوا مثل الآخرين. قد تبدو النسبة غير كبيرة، لكنها بالفعل كبيرة، واحد من كل عشرين فردا، وليس معنی أنهم كلهم شكسبير او نابليون، لكن هناك في داخل هولاء الناس دافع قوي للسيطرة، والرغبة في العالم وفي المجتمع، لكن نسبة ضئيلة منهم هي التي تحقق شهرة كبيرة، ونسبة كبيرة منهم يصبحون نقادًا وأساتذة جامعات، يقضون وقتهم يمتدحون الرحال العظام الذين ماتوا، بينما يهاجمون أية بوادر عظمة عند الأحياء. إن ۹۰ ٪ من البشر راضون بالوضع الذي هم عليه بشكل أو بآخر ، و ٥٪ يشعرون باحساس غامض بأن عليهم أن يكافحوا ليرتقوا بوضعهم بأي ثمن، دافع تطوري، لكن كثيرة منهم لن يحقق شيئا ذا قيمة. قد يصبحون أكثر مرارة، موظفون مدنیون متسلطون، يستمتعون بالإستئساد او التحكم فيمن يأتون لقضاء حاجاتهم، في الواقع، يصبحون “بلطجية” صغارا يستحقون الرثاء. ويجب أن تكون صبورا مع أمثالهم، فهم غير محظوظين، لديهم دافع يعذبهم على الدوام كقطعة زجاج في الحذاء، ومع ذلك تنقصهم الثقة أو القدرة لفعل شئ تجاه ذلك. إنهم أتعس البشر. ملايين من الشباب، يجربون استخدام هذا الدافع – دافع التطور – ليخرجوا من الروتين الميت الذي يقدمه العالم إليهم، ولا يستطيعون فهم كيفية تقبل آباؤهم للحياة بهذه السهولة. وهذا هو سبب شعبية “جيمس دين” وسط الشباب، وهو الذي يجعل التواصل سريعا بين فرق الغناء المختلفة والشباب، فهي تحمل وعدا لهم بأن الحياة ليست كئيبة كما يجدها معظم الكبار. ولسوء الحظ، هي معركة خاسرة، فالرتابة والغباء هما العدوان المميتان للجميع، يخنقانك حتى تنتهي. بأن تنضم إليهما تلافيا للإنهاك الكلي.

متلازمة المحتال، انقسام الذات واللامنتمي


يشتهر مصطلح متلازمة المحتال حديثًا في علم النفس، وهو المفهوم الذي يربط بين التوجس والارتيابية، وعدم اليقينية الشخصية للأفراد الأكثر نبوغًا، أو على شيء من الهبات الفكرية المميزة، غير أنهم مع ذلك ينتابهم الشك والقلق وشعورهم بانقسام الذات حول ذواتهم بسبب شعورهم بالاحباط والخيبة، وافتقادهم بشعورهم بالانسجام مع المجتمع، بالرغم من درجة ذكائهم العالية. كان من اللامنتمين الذي ألقى ولسون عليهم الضوء عليهم في كتابه اللامنتمي، الذي نشر عام 1956 الذي يعتبره ولسون امتدادًا لكتابته لمذكراته، ولبحثه المستفيض عن نماذج اللامنتمين في الأدب والفن والموسيقى، أمثال دوستويفسكي، ننجنسكي، د. ه. لورنس، فان جوغ، وغيرهم، الذي نظر ولسون في تجاربهم جميعًا، وفيم يشتركون فيه، فتمثلوا له في ثلاثة نماذج.

حلم غاية ما، صفحة ٣١٧

الأنواع الرئيسية الثلاثة ممثلة بالضبط ثلاثة أنماط مختلفة من اللامنتمي: البطل جيرارد سورم Gerard Sorme مثل اللامنتمي ذا القدرة العقلية المنضبطة مثل نيتشه و لكنه يفتقد السيطرة على جسده أو عواطفه، و الرسام أوليفر غلاسب Oliver Glasp الذي كان ذا إنضباط عاطفي صارم مثل فان كوخ و لكن يفتقد السيطرة على عقله أو جسده، و أخيرة القاتل أوستن تن Austin Nunne الذي كان له إنضباط جسدي هائل مثل نیجینسکی و لكن تعوزه السيطرة على عقله و عواطفه، و لو أتيح لنا جمع هذه الأنماط اللامنتمية الثلاثة في كائن واحد لكانوا شكلوا كائنًا بشريًا متكاملا عوضا عن ثلاث كائنات غير كاملة. كان دوستويفسكي قد إستخدم من قبل الأخوة كارامازوف في محاولته عزض ذات الموضوعة بطريقة رمزية: إيفان يحتل العقل، و ميتا يعقل الجسد، و إليوشا يمثل العواطف، وهذا هو السبب الذي جعل من الأخوة كارامازوف تشغل حيزا أساسيا في كتاب اللامنتمي.


تبع كتاب اللامنتمي بعد ذلك خمسة كتب وضع ولسون فيها رؤياه في الآفاق الجديدة للوجودية الجديدة.

وضع القيادة الآلي أو ‹‹الإنسان الروبوت››، ميكانيكية التكرير، وحد سانت نيوت

واحدة من الإعتبارات الجوهرية في نقص ملكات الإنسان وقدراته وعيه المحدودة في خضم إدراكه الفعلي للحياة اليومية، وعدم قدرة الإنسان على الولوج إلى ما يختزنه عقله اللاواعي من المعرفة والحوادث إلا في حالات نادرة، وذلك ما يعزو الإنسان إلى سلوكه وعيشه لمعظم حياته بوعي نصف حاضر، يتولى معه ‹‹الانسان الآلي›› الأمور، تحت نهج الإنسان ووقوعه ضحية العمليات اللاإرادية اللاواعية في معاشه وفي رؤيته للحياة، وأثناء مزاولته لأعماله وحياته تحت وطأة الآلية الميكانيكية الذهنية نفسها التي يشعر معها بالتفاهة والعبثية، وانعدام المعنى والهدف أثناء انصراف الذهن إلى شاغل واحد لا يتماشى مع إتساع الوعي، فيسقط الآنسان في هوة السآمة والملل والعبث والتفاهة وعدم الجدوى، وهي الحالة الذهنية للوعي، التي تتمكن من البشر معظم الوقت، ويشكل وعي إدراكها أزمةٌ متفاقمة، وتحديدا اللامنتمي، الذي يجد جزءً من نفسه يرفض الاحتياج اليومي الغير مناسب للحياة الواقعية، بينما يتشبث الجزء الآخر بالإدراكات التي يمدها له عقله عن تفاهة ومحدودية العالم، وهي الحالة الذهنية التي سماها كولن ولسون ‹‹حد سانت نيوت››. ومن ثم كان لزامًا علينا بعد ذلك النهوض والتحرر من سطوة ‹‹حد سانت نيوت››. وذلك بإن ننهج نهجٌ معرفي، وفلسفيٌ ونفسيٌ جديد في آفاق مدركاتنا ووعينا.

الفلسفة الفينمولوجية، وعلم النفس الوجودي

تتمثل لنا الفلسفة الظاهرتية أو الفينمولوجية في محاولتها الجادة في رصد ودراسة الكيفية الذي تتلقى فيه مستقبلاتنا الوقائع الحسية من حولها، ومدلولاتها مع وعينا الباطني وعقولنا، والكيفية التي يختزل بها عقلنا هذه المدركات ويقولبها ويدرجها ضمن صورة معينة. وقد جائت الفلسفة الفينمولوجية على العكس من فلسفة بيركلي وكانت في أن إدراكنا للحقائق الحسية عن طريق “المقولات”، وهو اصطلاح في المنطق يعني المفاهيم أو القناعات الشخصية، بينما جائت الفلسفة الفينمولوجية متوافقةً مع علم النفس المعرفي، وتحديدًا نظرية كيلي في بنية الشخصية، وهي تبعًا لمنهجه فإن الواحد منا لا يتصرف تبعًا للكيفية التي يكون عليها العالم فعليًا، لكن تبعًا لبناءه الخاص عن العالم، وهي المسلمة الأساسية عنده، والتي بمقتضاها تتشعب العمليات المعرفية لكل منا، حسب بنائها النفسي لها، وطريقة استقبالنا الحرفي للأحداث أو مدركات العالم الخارجي.

يأتي مفهوم علم النفس الوجودي بعد هذا مخالفًا لعلم النفس الميكانيكي متمثلا في فرويد الذي يعزى أغلب الاضطرابات إلى مسبب خارجي، بينما يقف علم النفس الوجودي حاملًا معه رسالة تحطيم نسيان الوجود، والسوداوية والأوهام التي يرضخ الإنسان تحت وطأتها، وذلك من خلال إثارة الوعي الإنساني بالإحساس، ومن ثم إن الهدف الأساسي من علم النفس الوجودي لا تكيف الإنسان مع مجتمعه، كما في علم النفس الميكانيكي، بل تكيف الإنسان مع ذاته ووجوديته، وذلك عن طريق بحثه وسعيه تجاه المعنى الذي يحمله الإنسان بداخله، والقدر الذي يحمله شعور المرء بالجدوى والهدف، كفيلٌ به أن يتسبب في اتساع أفق الوعي الإنساني ضد محدوديته وشعوره باللاجدوى والعبثية.
إذ يكمن الفرق الجوهري بين المدرسة النفسية الفرويدية، والمدرسة النفسية الوجودية في التالي.

أصول الدافع الجنسي، صفحة ٢٧٧-٢٨٤

وقد أعلن أدلر بأن اصرار فرويد على استرجاع تاريخ المريض الجنسي يوفر للمريض فرصة أخرى للتهرب من واقع مشاكله الحاضرة، وأصر على أن عمل العالم النفسي هو اعطاء المريض نوعا من الشحنة العقلية، بحيث يتمكن المريض من أن يقوم بمحاولة جديدة للتغلب على مشاكله وعلى هروبيته. ونظرة أدلر هذه تكن احتراما أكثر لحرية الفرد من نظرة فرويد، وفي نفس الوقت تكن احتراما كذلك لقوى العمدية الخفية التي قد تسمح للمريض بعلاج نفسه. يحمل القول بأن السيكولوجية الوجودية هي سيكولوجية ذات اهتمامات وفرضيات مماثلة لاهتمامات وفرضیات نیتشه و کیريغارد بدلا من مادة القرن التاسع عشر. وبالضرورة فإن علاقة العالم النفساني بالمريض هي علاقة مختلفة في التحليل النفساني (حسب المدرسة الفرويدية) ويفترض في المحلل أن يكون خارج، مشاكل مرضاه. أما في السيكولوجية الوجودية فإن المحلل يعرف تمام المعرفة أنه هو طرف في نفس المعضلة التي تفرض التوتر والضغط على مرضاه. فهو يستطيع أن يساعد المريض في أن يصفي النيوروسبات ( غير الجوهرية، من أزمته الأساسية، بل انه يستطيع كذلك (وهذا يعتمد على قدرته وامكانياته و ادراکاته الخاصة) أن يقترح اسلوبا أو وسيلة أكثر جدوى لمعالجة مشاكل مريضه الأساسية. ولكن العلاقة مختلفة. فها مثل جنديين في مسيرة طويلة.

ثم إن علم النفس مع ذلك لا يملك مفاتيح وحلول النفس البشرية كلها، ويعلق ولسون عن هذا:

أصول الدافع الجنسي، صفحة ١٩٤

ومع ذلك فإن سيكلوجية بليك هي في كثير من النواحي أكثر نفوذًا من السيكولوجية التي نطبقها على المجانين المجرمين. فقد أدرك مثلا أنه مالم يكن الإنسان قادرًا على معالجة نفسه، فلن يستطيع أن يشفى.ان علم النفس يساعد طبعا، ولكن علم النفس نفسه يقوم على تناقض أساسي، لإنه لا يمكن أن يكون هناك علم للنفس الحية يسعى إلى أن يعالج النفس كما يعالج الكهربائي أجهزة الراديو.

لكن مع ذلك، وحتى مع بذل الجهود العقلية والفكرية في التحايل على محدودية الوعي، الا انه ما تلبث برهات اتساع الأفق هذه والشعور بتوكيد الذات، والنفس الجوانية، أن تضمحل، مكررة ذات الحلقة المفرغة من الشعور بمركب النقص وتقلص الحيوية الفكرية، ومحدودية الفكر، حتى يستثير الإنسان مجددًا سعيه إلى المعنى وإلى الرؤية التي يسعى نيلها. ولعل هذه ايضا من قصور الوعي الفكري الذي يختص به الإنسان دونًا عن غيره، فحسبنا إن كنّا في أقصى امتداد لنشاطات الوعي الحيوية طوال الوقت ان نحجم عن العمل أو السعي كليًّا، أو نفتقد الحافز للتطور، أو أن نقف في رضا عمَّا نملك، أو ان نغرق في السعادة، لكننا ان تقاعصنا لميكانيكية التكرير كذلك، ولحد سانت نيوت، نموت من الضجر والخيبة، ولعل هناك من الخير والحكم فيما يتعلق بطبيعة وعينا المحدود التي تتصارع بين إنجازها الى محدوديتها، أو بحثها عن اللامحدود.

كولن ولسون لامنتيمًا

على الرغم من الاحتفاء الثقافي الذي يحظى به ولسون في بلدان المشرق العربي، وفي اليابان، وأمريكا وفي غيره من الدول، ألا ان مسيرته الفلسفية، ومنهجه التحليلي لم يلقى رواجًا في بلده الأم بريطانيا، وذلك بسبب ما لم ينتهجه من نهج “الوضعية المنطقية” التي تتميز بها الفلسفة البريطانية المعاصرة. وكذلك بسبب عد اكتراثه تجاه “الشكلية” في دراسات الأدب البريطاني، وتنبهنا حساسية ولسون المفرطة تجاه ضغط الحضارة الحديثة، سواءً أكان حنقه واكتائبه تحت رزح أيام المدرسة الثقيلة، أم أيام عمله في المصانع أو في الأعمال الشاقة، واخيرًا تجاه أسلوب حياته التي قضاها في العيش في كوخه مع زوجته وكلابه في إحدى المدن الريفية، عن سماته الشخصية التفردية اللامنتمية، وإن كان بذلك قد حقق هواه الشخصي، وحقق “أسطورة ولسون”، فهو مع هذا قد اتخذ لنفسه اسلوب حياته الأمثل، ولا ندري، أكانت لتجود عليه الحياة بمثل أسلوب حياته هذا، إن قد اكمل في السلك التعليمي، أو كان ولد لعائلة مقتدرةٌ ماديًا، على أن ينهج نهجه في سبل غربلته الفلسفية، أم كانت تلك وليدةُ جذوةٌ عاطفيةٌ تعيد النظر في المجتمع الحديث من خلال منظور رؤيته، الذي شمل الآخرين من بعده كذلك. غير أن مسعاه كإنسان، في البحث عن المعارف والحقيقة مسعى مُثمر، ومدعاةٌ للنظر وأخذ العبر، كاجتهاد شخصي، قبل أن يكون اجتهاد فلسفي أو أكاديمي.

اترك تعليقًا

Please log in using one of these methods to post your comment:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s