سلسلة الطرق: الهوية، الأهداف، والآخرين

تجسد العديد من الأعمال على مُختلف أطيافها من الأدب والسينما والفلسفة وأدب الرحلات، بل وأساليب الحياة الشخصية نفسها توق الإنسان وشوقه للرجوع إلى الطبيعة على حد قول “جان جاك روسو”. إذ نرى تمثل ثِمة أدب الرحلات أو الترحل عمومًا، ثيمةٌ أساسية في مختلف الأعمال الملحمية ابتداءً من الملحمة اليونانية الأسطورية “هومروس”، مرورًا بمختلف أعمال الأدب الكلاسيكية مثل “مغامرات توم سوير، ومغامرات هكبلري فن” لمارك توين، ورواية “كانديد” لـفولتر، وأعمال “جاك لندن” التي تتخذ معظم منحنياتها في الطبيعة. مرورًا بأدب الأطفال الحديث مثل رواية “صوت البوم”، أو “حيث تكمن الأشياء البرية”.

تقع ثلاثية أفلام الطريق بين (1974-1976) للمخرج الألماني فيم فيندرز وهي سلسلة أفلام تصنف ضمن أدب الرحلات، يغلب عليها الحوارات الفلسفية، والقاءات والحوارات الوجودية، والأهم من ذلك رحلة اكتشاف الذات، وتقع في عدة اجزاء، سنتحدث في هذه المقالة عن ثلاثة أجزاء تحديدا:

آليس في المُدن – Alice in the Cities 1974

الانعطافة الخاطئة – The Wrong Move 1975

ملوك الطريق – Kings of the Road 1976

تتسم زوايا التصوير التي صُور منها الفيلم بمحاولتها لإيصال الدلالات النفسية والعاطفية للمشاهد، وذلك من خلال استغراق العديد من المشاهد، سواء القريبة أو الثابتة أو المتحركة وقتًا طويلًا ما إن تبدأ حتى تنتهي، إذ قد استعمل إطار معدله 24 إطار في الثانية، وهو مايعتبر عاملٌ ممتاز يعكس الأجواء المصاحبة للهدوء والتأمل والحالةُ الذهانية المصاحب لرحلة اكتشاف الذات.

لم تكن تقنيات الكاميرا والتصوير في السبعينات تتيح الرؤية الفورية لما تم التقاطه، ولم تتواجد حتى تقنيات عرض الفيديو أو الـ DVD مثلًا، وكان المشرف على الكاميرا ومُستخدمها هو الوحيد الذي باستطاعته رؤية مافي العدسة، وهذا ما حتم على المصوريين الانتظار لحين الانتهاء من مراحل استخراج الفيلم، مع ذلك كانت الكاميرات الفورية – Polaroid هي ما تتيح للمخرجين والمصورين الحصول على صورة فورية لما كان يبدو عليه المشهد، ومعاينة مصادر الإضاءة قبل أسابيع من الانتظار من مراحل استخراج الصور السلبية بعد تحميض الفيلم.

شغف المصور الهولندي روبي مولر بالتصوير بالكاميرات الفورية، بل وألف كتابًا يجمع فيه أهم أعماله فيه، بالإضافة إلى عرض أعماله في معرض exhibition in WORM.

واحدة من ثيمات السلسلة الرئيسية هي حنقها على الثقافة الأمريكية، بفعل العولمة وتأثير الحروب والاستعمار، وجائت معظم الأغاني والموسيقى في الثلاثية من مغنيين ألمانيين، مثل فرقة الروك الألمانية Improved Sound Limited ومقطوعة الموسيقي الألماني “باخ” الخامسة والعشرين “Goldberg Variations” كما وتضمنت سلسلة الأفلام إحدى أغنيات المغني والشاعر الأمريكي Roger Mille.

بين توقد الطفولة وانطفاء منتصف العمر

يحمل كل فيلم في السلسلة ثيمتة الخاصة والمميزة عن غيره، ففي أول فلم Alice in the cites 1974 نشهد المفارقة العمرية بين فيلهيلم، الشاب الألماني النافذ الصبر، الذي يجد نفسه عاجزًا عن الإتيان بوظيفته ككاتب صحفي في إحدى المجلات الأمريكية أو ما يعرف إصلاحًا Writing Block، وطفلة تتوقد حيوية تبلغ من العمر تسع سنوات، بعد أن تركتها والدتها في المطار مع هذا الشاب الذي يحمل معه كاميرا فورية – Polaroid الذي جادل رئيسه في العمل سلفًا، عن العلاقة بين التصوير والكتابة، وأن الكتابة ماهي إلا قصص مرئية؛ حول دلائل وصور.

لتفضيل فيلهلم لاتقاط الصور والاحتفاظ بها دافعٌ نفسي ووجودي على حد قول صديقته:

“يفقد المرء الإتصال بالعالم عندما يفقد شعوره بهويته الخاصة”.

لعل هذا وجهٌ واحد من إحدى الوجوه المتعددة التي يفتقدها فيلهلم بخصوص رؤيته لهويته الشخصية والعالم من حوله، إذ حتى عند التقاطه للعديد من الصور، فهي وإن كانت تصويرٌ للعالم الخارجي، فهي على حد قوله تختلف عن التي يراها.

تدور أحداث الفيلم على مدار قرابة الساعتين عن محاولة فيلهلم وآليس البحث عن والدتها أو عن بيت جدتها، وفي هذي الأثناء تحدث العديد من المفارقات الناتجة عن اختلاف الأعمار بينهم؛ بسبب انفتاح آليس على تجارب العالم الخارجي بسبب حيويتها الطفولية، بينما يتقوقع فيلهلم داخل عالمه الخاص، وداخل عقدة الكتابة خاصته التي ما تبدأ بالتلاشي بوجود آليس، التي مثلت له نوعٌ من العلاج المعرفي السلوكي.

لما كانت تقنيات ووسائل استخراج الأفلام تأخذ وقتًا طويلًا، كانت الكاميرات الفورية تُعد وسيلة مهمة للمخرجين والمصورين كما ذكرنا آنفًا، وكانت تلك هي الكاميرا التي تحملها آليس بين يديها في هذا المشهد من الفيلم، وقد ذكر المخرج الألماني فيهم فيندرز كيف كان يبدو على رودريك التوتر حين سلم آليس الكاميرا، وما إن كان هذا هو القرار الصائب.

يعتبر الفيلم رحلةٌ وجودية لكلا الطرفين؛ آليس وفيلهلم، بل لعل هذه السلسلة بأكملها تمثيلٌ لما يفتقده أبطالها بشكلٍ أو بآخر من احساسهم بهويتهم وموقعهم في هذا العالم، وهذا ما نراه متجسدًا عبر أدب الرحلات، وهو في الأساس مفهومٌ رمزي للبحث عن الذات وتفاعلاتها مع الآخر، وهذا ما سنشهده في الفيلم الثاني من السلسلة.

الأنا والآخر

اقتبس الفيلم من رواية تدعى “سنوات تعلم فلهلم مايستر”، وهي إحدى روايات الكاتب الألماني يوهان غوته، صاحب الرواية  الشهيرة آلام فارتر.

تتضح شخصية فيلهلم الأكثر تفردًا، واهتماماته التي بالكاد تتجه ناحية العالم الخارجي، بسبب تركيزها على عالمه الداخلي في الفيلم الثاني wrong move 1975، إذ نشهد في بداية الفيلم آماله المعلقة على التنقل والسفر كوسيلة وجودية له لمعرفة ذاته.

أما في النصف الثاني من الفيلم، نشهد تهدم الحدود الشخصية التي رسمها فيلهلم بينه وبين الآخرين؛ إذ انتهى به الحال برفقة الآخرين بشكل من الأشكال، بعد أن تبادل معهم الأحاديث، والمسكن والمشرب. لكنه على الرغم من ذلك لم تفارقه مشاعره القوية بسبب قلة تعاطفه وشعوره بالمفارقة والغربة بين الآخرين، ومن ثم نشهد على نهاية الفيلم استيقاظ نزعته الفردية مرة أخرى لاكمال حياته بانفراد.


الجندرية المتنحية، وفلسفة الطريق المفتوح

الفيلم الثالث الذي سنأتي على ذكره في هذه المقالة هو فيلم kings of the road 1976 الذي يعتبر خليطًا من فيلم Thelma and Lewis باشتراكه للتنحية الجندرية الأدوار الجندرية، وفيلم into the wild لدعوته لفلسفة الطريق المفتوح البوهيمية. نتتبع في هذا الفيلم ايضًا، كباقي أبطال السلسلة شخصية استقلالية، فردانية، يهوى السينما والتنقل بشاحنته العملاقة إلى دور السينما المختلفة حتى يعمل فيها جزئيًا ثم يعاود الانطلاق في مسيرته وحيدًا.

تتمثل رموز التنحي الجندري لعلائم الفُتوة أو الذكورية المستحكمة في هذا الفيلم لتتخذ موضع التنحي والزاوية منه. فترى هنا أبطالًا مهزومين، طليقٌ لا زال معلقًا بالهاتف، وهو رمزٌ أنثوي لعلاقته مع زوجته السابقة. شابٌ بتول متوجس في علاقته مع العالم الخارجي، ومع الآخر مخافة الكسر.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s