تهويدة البحر والكون: أبناء البحر

لازلت أذكر حتى هذه اللحظة المرةُ الأولى التي قرأت فيها تغريدة ملاك، حين تحدثت في حسابها الشخصي في تويتر في عام 2015 عن إحدى اللوحات الفنية التي رسمتها إحدى زميلاتها في الصف، وكانت قد جمعت بين البحر والكون في ترابطٍ وتناغمٌ أثيرين، حين يلتقي سديم ذيل الحصان في الفضاء مع مويجات البحر المتكسرة على سطح الأرض.

أفسحت تلك اللوحةُ المجال لخيالي من بعدها للتفكر في العلاقةُ الأثيريةُ التي تجمع بين أقصى الإثنين، حيوية الحياة البحرية اللُّجة، وهدوء وصمت الحياة الكونية الذي لا يزال العلماء حتى اليوم ينقبون عن آثار مؤشرات الحياةُ الحيويةُ داخل مجموعتنا الشمسية وخارجها معًا، حتى جائت إحدى صديقاتي برسم هذه الرسمة الحابسةُ للأنفاس، وهي ما أجدها تستعرض الفكرة الرئيسيّة للفلم بشيء من الإيجاز.

وفي هذا الفيلم نرى العديد من الثيماتٌ والرمزيات الميتافيزيقية والعلمية معًا المتمثّلة في الاستدلالات العلمية المختلفة بين الكون والفيزياء الكونية والنيازك والإنسان، وعالم الأحياء بمخلوقاته المجهرية الدقيقة، وبعوالقه الحمراء المضيئة، مرورًا بأصغر الكائنات ومختلف انواع الزعنفيات من الأسماك، والحشرات من الشوكيات، وأخيرًا أضخم وأكبر الكائنات الحية على كوكب الأرض، ألا وهي الحيتان.

المؤلف، الإلهام، الأستديو والتسمية


“أبناء البحر – Children Of The Sea” هي قصة مصورة يابانية نشرت بين عام 2007 وحتى عام 2012 من الكاتب والرسام الياباني “دايسوكي إغاراشي” الذي عُرف بثلاثيته “غابات صغيرة Little Forests” التي تركز بشكل أساسي على الطبيعة، في فصول السنة الأربع، الصيف والشتاء والخريف والربيع، وامتاز رسم إغاراشي بالكلاسيكية عمومًا.

استلهم إغارتشي من أحد أغاني فرقة الميتال الستينية Black Sabbath اسم قصته المصورة التي تحمل الاسم نفسه وهو “أبناء البحر – Children Of The Sea”. شَغف واتناباي بفيلم الفضاء الشهير 2001: A Space Odysse الذي تبناها المخرجون لعرضها في صالات السينما من رواية كاتب الخيال العلمي آرثر سي. كلاك الشهير، والذي يرجع إليه أسبقية تأسيسيه لمفهوم الأقمار الصناعية.

ساهم في إنتاج الفيلم Studio 4°C الذي يبرع في تقنية الـ CG في أفلامه، سواءً أكانت أفلام Berserk أو تبنيها لإحدى روايات كاتب الخيال العلمي الياباني بروجيكت إيتو في فيلم Harmony 2015. شارك طاقم الإستديو كذلك الأنيميتور لاستديو جيبلي “Kenichi Konishi”.

القصة

تدور احداث القصة حول الاحداث التي جرت اثناء إحدى العطل الصيفية في جزيرة “اينوشيما” حيث تبلغ من العمر بطلة الفيلم “روكا” 14 عامًا، والتي يعمل والدها في معرض للحياة البحرية، وهو ما نمي داخل روكا حبها للعوالم البحرية، بسبب ما ترتبط معها تلك الذكرى عاطفيًا طفولتها.

ثيماتٌ الفيلم الرئيسية

تضمن الفيلم العديد من الرمزيات والثيمات، يأتي من أهمها البحر والحيتان والكون والنيازك، والولادة والموت، والعائلة والحياة، نأتي في ذكرها تباعًا.

البحر

انتشرت الأساطير المتعلقة بقدسية البحر قديمًا في محاولةٍ منهم لتفسير نشأة الكون، غير ان الفلاسفة عمدوا الى كشف لثام هذه الأساطير التي يشوبها الغموض، في محاولة منهم لمعرفة الحقيقية. كان مذهب الفيلسوف إمبادوقليس في الكونيات يقول أن الكون يتكون من أربعة مواد، “النار والهواء والأرض والماء”، وكانت إحدى المحاولات المتعلقة بكشف اللثام عن غموض الأساطير هي محاولة الفيلسوف طاليس في معرفة آلية نشوء الكون ان طريق الملاحظة والتجربة، وقد قادته تلك إلى فلسفته إلى ان يقول:

غذاء كل شيء رطب

وبذور كل شيء ذات طبيعة رطبة

ما يتولد منه الشيء يتكون منه بالضرورة

وبالتالي فهو المبدأ الأساسي للشيء

كما أن كل شيء ينحل إلى الماء ويبتدئ به

والتحولات الثلاث للماء ترجع إلى الماء

إذًا، الماء أصل كل الأشياء.

تبعه بعدها الفليسوف اكزينوفان الايلى، أحد مؤسسي المدرسة الايلية، وهي أولى المدارس الفلسفية في تاريخ الفلسفة اليونانية-الإغريقية. حيث قال في القرن السادس قبل الميلاد:

البحر هو مصدر المياه والريح

البحر العظيم هو والد السحب والرياح والأنهار.

ومع تطور العلم الحديث، لا يخفى على أيٍ منّا أن للماء أهميته في تشكيل وبقاء الحياة الحيوية للمخلوقات الحية، وقد بات الأمر معروفًا للجميع وقد وصل إلى أذهان العديد منّا أن 70٪‏ مما يشكل سطح الأرض هي من الحياة المائية، بل حتى وعلى نطاقٍ كوني، ما يؤهل جرمٌ من الأجرام السماوية على أن يحمل فرصٌ العيش فيها عمن سواها، هي مدى توفر مؤشراتٌ دالةٌ على الحياة الحيوية في ذلك الجرم من عدمها، ومنها المياه التي تعتبر من أهم العوامل التي يوليها علماء الفلك أولويةٌ قصوى في رحلة البحث عن حياةٍ خارج كوكبنا الأرض، وقد كانت بشارةٌ علمية لعلماء الفلك حين اكتشفوا احتواء “أوروبا” قمر المشتري و”انسيلادوس” أحد أقمار زحل المتجمدة، مياهٌ متجمدةٌ تحت أسطحهما.

مع تلك الأهمية الكبيرة للدور الذي تلعبه المياه في حياتنا، كان من المنطقي أن تظهر الإستدلالات العلمية لأهمية المياة والحياة المائية في فيلم “أبناء البحر”. فالماء إلى جانب الدور المهم الذي يتخذه في استمرار الحياة الحيوية لجميع الكائنات الحية اليوم، فقد أظهرت العديد من الدراسات والأبحاث المستفيضة عن تاريخ نشوء وتطور الحياة الحيوية على الأرض منذ مليارات السنين، أن أولى أشكال الحياة التي نشئت على الأرض كانت في البحار، وكانت تحديدًا إحدى أنواع “فرس البحر” الذي يعتقد انها تواجدت قبل 85 مليون سنة، في العصر الطباشيري، الذي يمثل إحدى العصور الخمس والحقبات الجيولوجية التي مرت بها الأرض، بدايةً من أصغر الكائنات البحرية بسيطة التركيب، حتى أذكى الثدييات تركيبًا وأعقدُ أنسجةً، ومنها الحيتان. لذا، يبدو أن الرمزية في عنوان “أبناء البحر” يكتسب شيئًا من الدلالة في ضوء هذه المعرفة.

الحيتان

امتلكت الحيتان قدسيةٌ عبر الزمن، سواءً أكان ذلك عبر الأساطير الفولكلورية القديمة التي انتشرت في مختلف الثقافات الغربية والشرقية على السواء، أو عبر المعجزات الدينية في كلتا الديانات التوحيدية، اليهودية والمسيحية والإسلام، أو عبر الآداب الانسانية الادبية، والعمل الأكثر شهرة هي رواية الروائي الأمريكي هيرمان ملفيل. تتحدث القصة عن طاقم بحارة توكل إليهم مهمة البحث عن حوت أبيض عملاق يدعى موبي ديك، وفي عالم يسوده الجو العام بين الصراعات مع الدين واللاأدرية والإيمان واليقينية، فأحيانا ما تمثل رحلة البحث عن موبي ديك البحث عن “الحوت الإلهي” الدال على الإيمان واليقينية، واحيانا اخرى ما تمثل رحلة البحث عن “موبي ديك” رمزيةٌ للايقينية والعدمية التي تحيط بكل شيء، وفي كلتا الحالتين، يعتبر اختيار هيرمان للحوت في ان يكون ابيض اللون، وهو اللون الذي يتكون من اجتماع الاحمر والأصفر والأخضر، مكونا اللون الأبيض، رسالة رمزية في البحث عن الحقيقة، وإن كانت رحلة البحث عن الحقيقة تلك لتجلب للمرء الشقاء والألم.

في ميادين العوم البيئية والحيوية، تعتبر “الحزازيات” واحدة من أهم المؤشرات الحيوية التي تدل على صحة النظام البيئي، غير انه هناك العديد من المؤشرات الأخرى التي يستدل بها هي الأخرى عن صحة الأنظمة البيئية حيويًّا، منها وصد ودراسة تغيرات المناخ، ذوبان الثليج في القطبين، وتغير المواطن الحيوية للعديد من المخلوقات الحية، سواءً أكانت بريةٌ أو بحرية. فإلى جانب الأخذ بالاعتبار ان الحيتان مهددة بالانقراض بفعل الصيد الجائر، الذي أدى لتقلص اعدادها حتى 10% من أعدادها الأصلية، تعتبر وفيات الحيتان على الشواطئ واخدة من نتائج تغيرات المناخ، وتدهور النظام البيئي من الذي تعانيه الأرض اليوم، وهو مايتم تصويره في مختلف الوسائط المرئية ومن بينها ألعاب الفيديو.

أما علماء الحيتانيات، وهو فرع من فروع العلوم المتعلقة بالثدييات البحرية، فيدرسون سلوك وخصائص وتطور الحيتان. إذ تعتبر الحيتان واحدة من أذكى الثدييات التي تمتاز بذكائها الاجتماعي الذي ينتج عنه سلسلة من الاهتزازات الصوتية على شكل اصوات، وهي لغة للتواصل بين الحيتان فيما بينها، غير أنها لا تتكون من الكلمات. وتمتاز “حيتان الجمل – Humpback Whale” الذي يبلغ طولها من حوالي 11 إلى 19 مترا وهي حيتان متوسطة الحجم. لديها الكثير من العادات الفريدة مثل القفزات الكبيرة التي تسمى Breaching، تتميز الشبكة الغذائية الخاصة بالحوت الأحدب كذلك، وذلك بسبب تتعاون الذي يجري مع باقي الحيتان الأخرى لصنع حلقة فقاعية ولاستدراج الفريسة. أكبر ميزة للحيتان الحدباء هي “الغناء“، والذي يختلف تمامًا عن أنواع الحيتان الأخرى. وقد لوحظ أن تلك الأغاني تتراوح من بضع دقائق إلى أكثر من 30 دقيقة، وتصل إلى 20 ساعة كحد أقصى من الغناء المتكرر. لتلك الأغاني بناءٌ هيكل هرمي معقد. وهي ماتمثل الوحدة الأساسية للأغنية، التي تستمر لبضع ثوان، والذي يتراوح من 20 إلى 10 كيلو هرتز في الثانية. تشكل الوحدة الأساسية المكونة من 4 إلى 6 عبارة فرعية تستمر لمدة 10 ثوانٍ تقريبًا. تتكون العبارة من عبارتين فرعيتين، ويكرر الحوت الأحدب نفس العبارة مرارًا وتكرارًا لعدة دقائق. ويسمى هذا التكرار موضوعًا يستمر لمدة 20 دقيقة تقريبًا ويتكرر. يتغير هذا ببطء بمرور الوقت ويمكن أن يستمر لساعات وأحيانًا أيام. ويقال أن أغاني الحوت تصل إلى 3000 كيلومتر. تم تسجيل العديد من أغاني الحوت الأحدب باستعمال مركبة الفضاء فوييجر التي تم إطلاقها في عام 1977.

تمتلك الحيتان بعدا مهمًا كذلك في قصة الفيلم، حيث تمثل الحيتان البيئة الحاضنة أو معبرًا للحياة الجديدة أو الولادة، تمامًا كرحم الأم، وفي ذلك إشارةٌ بوجه التشابه بين الاثنين؛ الإنسان والحوت لكونهما من أذكى الثدييات.

الكون

“حكاية إنتماء النجوم من أطفال النجوم

وبميلاد النجوم والعديد من النجوم

إنتماء البحر لهذا العالم”

كانت تلك الكلمات الإفتتاحية التي بدأ فيها الفيلم، وتابعت على نهجه جميع الأحداث الميتافيزيقية في الفيلم، والتي يمثل فيها الكون والنجوم والنيازك مجرى كبير من أحداث الفيلم. يركز الفيلم إلى حدٍ كبير على ميتافيزيقة الفكرة أننا نتكون من المواد نفسها التي يتكون منها الكون والنجوم.

يشيع بين البعض تلك المعلومة الرائجة التي تقول أن عدد العصبونات العصبية التي تكون الدماغ البشري يفوق عددًا أعداد النجوم في مجرة من المجرات، فتلك المعلومة وإن كانت تجانب الصواب بسبب صعوبة معرفة أعداد العصبونات العصبية بدقة، بسبب التفاوت في أعدادالتشابكات العصبية في منطقة عصبية في الدماغ دون الأخرى، فلا يجانب الصواب ذلك الجزء الكوني من تلك المعلومة الذي يربط بين الإنسان بالكون، إذ يحمل الجميع كونًا مصغرًا في داخلهم. يتكون الكون من 90% من المادة المظلمة، فخفايا أجسادنا وما يكوننا يعتبر مادة مظلمة كذلك، لا يستطيع للمرء رؤيته، تماما كما تتمثل لنا معرفة 10% فقط من الكون، فالأمر نفسه يشمل القدر الظاهري السطحي الذي نستطيع معه رؤية أنفسنا فيه فقط.

النيازك

كانت إحدى النظريات التي تفر نشوء الحياة على كوكب الأرض هي “نظرة التبذر – The Panspermia Theory” وهي نظرية تفترض ارتباط الأجرام السماوية ومنها النيزك تحديدًا في نشوء الحياة على الأرض التي تفترض نشوءالحياة على كوكب الأرض إثر اصطدام نيزك عملاق بالأرض.

تمتلك النيازك بعدًا رمزيا في الآنمي، فهي تمثيل أو تجسيد للخلق أو للبدايات الجديدة المتكونة، وهي دلالةٌ رمزية تختص بالعمليات الفسيولوجية الجنسية عن كونها تمثيلٌ للمني، أو للحيوان المنوي – Sperm الذي يجلبُ معه بدايات حيويةٌ جديدة.

احتفال الولادة

تعتبر “الاحتفالية” إحدى موضوعات الآنمي الشهيرة، والتي ترتبط ارتباطًا وثيقًا في بهوية الثقافة اليابانية، وتختلف ضمنيًا من منطقة لأخرى، بسبب التنوع الجغرافي الذي تتمتع به اليابان، كونها تتكون من أرخبيلات، وهي مجموعةٍ من الجزر المختلفة، وتتميز كل جزيرة بطقوسها الخاصة واحتفالاتها وأعيادها المتنوعة الأهداف. تتخذ سمة الاحتفالية في فيلم الآنمي “أبناء البحر” سمة الكونية؛ إذ تجمع بين تلك المفاهيم السابقة كلها، البحر، الحيتان، الكون والنيازك، وتفاعلات الإنسان وذكرياته معها جميعًا، مكونةً احتفالًا يسمى “احتفال الولادة – Festival Of Birth”. حيث يوصف هذا الاحتفال بالكلمات التالية:

“الكون كيانٌ حي.

النجم مع البحر يشكلان الرحم.

وتمثل النيازك المنيّ.”

عند هذه اللحظة –لحظة الولادة، يتمثل البحر والحوت الآباء المسؤولين عن الولادة، والنيازك هي النُطف أو الحيوانات المنوية المسؤولة عن تلك الحياة التي تحملها روكا في جوفها. تُترجم النيازك بعد ذلك ذكريات روكا وخبراتها في هيئةٌ ونوع يمكن رؤيته بواسطتها، ومن بعدها تتحول روكا لجرمٌ سماوي أسودٌ داكن، تصبحُ معه تجسيدًا للكون المصغر في ذاتها.

تتجسد نظرية الكم ومفارقة مبدا شرودنغر في الريبة أثناء احتفال الولادة؛ إذ تظهر العديد من العيون المُحدقة أثناء ذلك الاحتفال، مشيرةً إلى رمزية وحتمية صعوبة، وعدم حتمية تأكيد سلوك ورصد الجسيمات الأولية في الكون، بسبب مبدأ الريبة لدى شرودنغر المتمثل في أن الجسيمات التي لم لم تتم ملاحظتها لا وجود لها بالضرورة حتى نراها بالنظر، وما إن نشهد رؤيتها أو ملاحظتها بأنفسنا، فهو مايؤكد انها موجودة بالفعل، ومن ذلك تفسير مشهد الأعين في تلك اللحظة الذي يستدل به أن العالم يتواجد في اللحظةُ التي تبصرها فيه، وفقط حين تبصره فيها.

الحياة، الفرد والآخر

أرى أن في مسئلة اختيار الأعمار في مختلف الأعمال الفنية سواءً أكانت آنمي أو أفلامًا حقيقيًا أم قصصٌ مصورة، مسئلةٌ تخضع لفحص النظر، لمى لها من إيحاءات دقيقةٌ مهمة، فإن كانت أغلب الأعمال التقدمية – Coming Of Age تُركز على الحبكة والأزمات الوجودية في مضمونها، فما من مرحلةٍ عمريةٌ تتضمنُ زخمًا عاطفيٌ ووجودي وشخصي كالمرحلةُ المفصلية التي تفصل بين أن يكون المرء مُراهقًا، فشابًا، وهي وإن كانت مرحلةٌ يسهلُ رصدها بسبب ما ترتبطُ معه بالنمو، والتغيّرات الفسيلوجية والحيوية للفرد، ألا إن العامل الأصعبُ رصدًا هو مقياس التطور والنضج الفكري والعاطفي لأصحابها، وإن كان ليتوافق مع الأعمار البيلوجية الحقيقية أم لا، فيعيش الكثير من الشبان في “المرحلةُ الجمالية” على حد قول الفيلسوف الوجودي كيركيغارد، يتمتع بمتاع الدنيا في عالم الحواس، مُتبعٌ لأهواءه، متنعمٌ بالفراغ، ويشق عليه تحمل ما يكره من العمل أو الألم، ويختبر بعض المراهقون كذلك “المرحلة الأخلاقية” حين يشيع بين قِلةٌ منهم اختبارهم لمنظومتهم الأخلاقية التي يشرعون في تشييدها وفي اتباعها، وإن كانت تلك المنظومةُ الأخلاقية لا تتفق بالضرورةِ مع المنظومات الأخلاقية للعالم الخارجي، أو المجتمع بمعنى أصح، بسبب ما تستقيه تلك المنظومات الشخصية من قيم ومبادئ شخصية لأصحابها، وهذا بدوره ما يؤدي إلى النزاعات أو الصراعات بين المراهقين والعالم الخارجي، وهو ما نراه متمثلًا في العديد من الأعمال الفنية والأدبية التي تُصور نزاعات المراهقين مع العالم الخارجي، مثل سلسلة نيون جينسيس إيفانجليون مثلًا، أو العديد من أبطال الأدب التقدمي مثل الحارس في حقل الشوفان أو الناقوس الزجاجي، أو غيرها من الأعمال.

قصة فيلم “أبناء البحر – the children of the sea” هي قصةٌ تقدمية – Coming Of Age في المقام الأول، تدور أحداثها في إحدى العطلات الصيفية في حياة فتاة مراهقة، أتخذت لنفسها إحدى الاهتمامات الشخصية التي تهرب من خلالها من حقيقة ي التعامل مع العالم الخارجي، سواءً أكان ذلك عن طريق هربها المستمر من المنزل بسبب وضعها العائلي المتفكك، أو عن طريق إحجامها عن المشاركة في بالأندية والنشاطات المدرسية، ما تلبث تلك الأحداث التي جرت لها في تلك العطلة الصيفية أن تصبح تحولًا في حياتها الشخصية، وبابًا لنضجها ونموها في المرحلة القادمة من حياتها.

تحدث الأحداث مع ذلك تحت غطاء من الأحداث الميتافيزيقية السحرية، بل هناك العديد من الامور التي تحصل على نطاق غيبي او حدسي، تواصلات تجري على نطاقات غير فيزيائية ولا محسوسة، تواصل كوني عن طريق التخاطر او الطول الموجي المتقارب، او اشياء اخرى لعلها إشارةٌ رمزية للطريقةُ التي تتواصل من خلالها الحيتان، لا عن طريق اللغة، بل عن طريقةٍ لا تتوصل إلأيها اللغة، ولعلها إحدى أهم الرسائل التي أراد الفيلم أن يبثها للمشاهد.

كيف تتكون الحياة؟

كيف يولد الكون؟

من أين أتينا، وإلى أين نذهب؟

ننظرًا لأن أهم هذه الأشياء تنتمي إلى مناطق خارجة عن الحدود العقلية واللفظية للإنسان فلا يمكننا التحدث عنها بالكلمات. ومع ذلك، تكمن الفكرةُ في تجربتها كما هي.  فالفيلم باختصار هو تجربة حية لا تعتمد على الكلمات، يملك تفسيرات مختلفة يمكن للمرء النظر إلى أيٍ منها.

المصادر

اترك تعليقًا

Please log in using one of these methods to post your comment:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s