عن الشعر ومفاهيمه اللغوية

تعود صعوبة تعريف بعض الظواهر والمفاهيم عمومًا، والشعر خصوصًا، إلى سلطة اللغة التي تُحدد صحة وموضوعية بعض الأدوار والمعاني التي يحددها الإنسان لتلك الأشياء، بل ويُكسبها بعض الخصائص والمفاهيم القائمة على العلاقة التي شيَّدها الإنسان، والتي تجمع بين ظاهرة أو مفهوم ما، وارتباطاته بلغة الإنسان.

في بعض ما قيل في محاولة تعريف الشعر:

قال حسان بن ثابت رضي الله عنه وأرضاه واصفًا أهم خصائص الشعر المعنوية. 


     وإنما الشعر لبُّ المرء يعرضه       على المجالس إن كيسًا وإن حمقًا

      وإن أشــــــعر بيتٍ أنت قائـــــله              بيتٌ يقـال إذا أنشدته صـدقًا
 


أشار حسان بن ثابت رضي الله عنه هنا إلى أن الشعر تصوير وتمثيل فكري لصاحبه، سواءً كان فطنًا أو حمقًا، حيث أعلى من أهمية المصداقية في عرض تلك الأفكار والتصورات التي يحملها صاحبها، وهذا ما يخالف معظم مع تعريفات النقاد للشعر، حيث تطرقت إلى الشعر موضوعيًا، كقافية ووزن، وفضلت صاحبه على امتياز إحساسه عن الآخرين، وإن كنا نجد بعض الأدباء والرسامين، بل وحتى بسطاء القوم يملكون ذات الملكة في رهافة الإحساس والشعور بما لا يشعر به الآخرين.

يرى محمد عبد الله العوين أن الشعر تمثل في ديوان العرب، الذي حمل بين جنبيه مختلف الشعراء على اختلاف مذاهبهم منذ امرئ القيس، كشاعر عاتب وصاحب موقف ارستقراطي، لم يقدره النقاد، إلى زعيم الكلمة نزار قباني، وتضمن الشعر مختلف الرسائل في مضمونه، فمنها ما هو مشرّف، وغير مشرّف، ومنها ما هو إبداع وسقوط، ومنها ما هو مفاخر، ومدائح، وتوسلات، وتعطف، وزهو ورداءة، وسمو وارتفاع. غير أنه مع دخول “الحداثة الأدبية والشعرية”، تأخرت معها وتراجعت أهمية الشعر في المجتمعات الصناعية المتقدمة، ولم تعد دواوين الشعر رائجة على الإطلاق في قلب تلك الحضارة التكنوقراطية الباردة، وحل محل الشعر الرواية أو الكتابة الفلسفية، أو العلوم الإنسانية، أو حتى السينما، وهذا ما يذكره محمد العوين في كتابه “تداعيات العبث”[1]، حين يقول إن من الأسباب الحداثية في تأخر الشعر في عصرنا الحالي تعود لثلاثة أمور:

  • تراجع الظروف الكتابية بشكل عام، والكتابة الإبداعية الأدبية القويةُ فكريًّا ومنهجيًّا وتوجيهيًا بشكل خاص.
  •  الحياة الاستهلاكية التي يعيشها الواقع العربي مما يصرفه عن الأهم، إلى ما دون الأهم.
  •  هزال النقدة، ولجوئهم بسبب ما قدمت إلى الاكتفاء بالقراءة الذاتية، وما يتبع ذلك من إشاحة النظر عمّا هو كائن.

أما عباس محمود العقاد، فيرى أن هناك فرقٌ وبون شاسع بين “الشعر كصنعة” يحترفها بعض الشعراء مثل “أحمد شوقي”، وذلك انه بعد أربعين عامًا من التدريب ورياضة الذهن واللسان وإن كانت تلك المهارة لا تتعدى سوى كياسة التعبير، إن لم يُنتج “شوقي” يومًا شعرًا يدل على ما يسميه العقاد “شعر الطبع” وهو الذي يُضفي عليه الشاعر من روحه ووجدانه، ويُلبسه شيئًا من خصاله، وهي مزيةٌ نفسية ينفرد فيها كل شخص عن الآخر؛ لإنها تدل على النفس الحية لصاحبها، وليست ما تدل عليه شيوع ومباراة الشعراء للتجارب الحسية، بلا ابتكار او تصوير لمزاج صاحبها ورسالته الخاصة في الحياة، وهذا مأخذ عباس محمود العقاد على أمير الشعراء أحمد شوقي[2]. 

وسنسهب في الفقرات التالية عن التحليل الأدبي لإحدي القصائد لإحدى شعراء تونس، الذي يظهر أن شعرهم يحقق تعريف العقاد عن “شعر الطبع”.

ترجمة مختصرة للشاعر

الشاعر هو أبو القاسم الشابي، ولد أبو القاسم الشابي في عام 1909 في إحدى مدائن تونس. حيث كانت حركة الأدب العربي قد أُعيد إحياءها وذلك إثر البعثات الغربية في دراسة الأدب والترجمة. كانت سمات أشعاره الرئيسية تتحدى الموت والألم وذلك بسبب الأثر الذي خلفه له وفاة والده وحبيبته، وأرداه معتل الصحة، وهو ما نجم عنه وفاته عام ١٩٣٤ إثر مرض عضال.

الظرف الذي خرجت معه القصيدة

جاءت قصيدة نشيد الجبار للدلالة على تحدي الظروف والمصاعب والتأكيد على تمسك الشاعر بإرادة الحياة والتحدي والانتصار عليها. وقد غلب الأسلوب الخبري على معظم أبيات القصيدة في مجملها، والغرض من ذلك إظهار التحدي والكبرياء والاستهزاء بالحُّساد والأعداء، إضافة إلى ذلك، استعمل الشاعر محسنات بديعية منها لفظية ومنها معنوية، واستعمل كذلك الاستعارات المُكنية والتصريع والتشبيه والكناية وضمَّن قصيدته لأجزاء وخطوط الصورة التي تعتبر جزء من الموسيقى الداخلية للشعر، وفي القسم التالي إسهابٌ في تحليل أبيات قصيدته تحليلًا أدبيًا.

البحر الشعري للقصيدة

نظم أبو القاسم الشابي نشيد الجبار على وزن وقافية بحر ” الكامل”

( متفاعلن متفاعلن متفاعل .. متفاعلن متفاعلن متفاعلن)

التحليل الأدبي لأبيات القصيدة

سأعيش رغم الداء والأعداء                كالنسر فوق القمة الشماء

سأعيش كالنسر” أسلوب تشبيه، توافرت فيه أركان التشبيه كلها (أداة التشبيه ووجه الشبه والمشبه والمشبه به) فهو إذًا تشبيه تام. “رغم الداء والأعداء” هي كناية يقصد بها الشاعر تحديه للمرض والألم والأعداء. استعمل الشاعر في هذا البيت أجزاء الصورة مثل “الأعداء والنسر والقمة الشماء“. واستعمل كذلك خطوط الصورة وهي التي تدل على اللون والصوت والحركة في كلمة “النسر“. كما استعمل أسلوب التصريع وهو محسن بديعي لفظي (الأعداء…الشماء) ويعني (تغيير العروض عما يستحقه حتى يوافق الضرب في وزنه وقافيته ويحدث ذلك في مطلع القصيدة) فهنا الشاعر جاء بالعروض على وزن (متفاعل) ليوافق وزن الضرب (متفاعل) خلافًا عمّا يستحقه (متفاعلن) وهو ما عاد له في الأبيات التالية.

أرنو إلى الشمس المضيئة هازئًا         بالسحب والأمطار والأنواء

أرنو إلى الشمس” كناية يقصد بها الشاعر الشموخ والتحدي. “هازئًا بالسحب والأمطار والأنواء” أكسب الشاعر السُحب والأمطار والأنواء صفاتٌ شخصية وأكسبها الحياة، فكأنها عدو يستهزئ بها. أدخل الشاعر محسن بديعي لفظي وهو أسلوب حسن التقسيم في شطره “بالسحب والأمطار والأنواء“. استعمل الشاعر أجزاء الصورة مثل “الشمس المضيئة والسحب والأمطار”، كما وضمَّن الشاعر خطوط الصورة في قصيدته، والتي تدل على اللون في كلمة “السحب والشمس المضيئة“. أما كلمتا “هازئًا والأمطار” فهما تدلان على الصوت، وكلمة “أرنو” تدل على الحركة.

لا أرمق الظل الكئيب ولا أرى            ما في قرار الهوة السوداء

أسلوب إنشائي، غرضه النفي، وقوله “الظل الكئيب” فيه كناية تدل على تفاؤل الشاعر، وقد أكسب الشاعر الصفات الشخصية التي يختص بها الإنسان للظل حين وصفه بالكآبة، وفي كلمة “الهوة” دلالة على أجزاء الصورة، وأما خطوط الصورة التي تدل على اللون فجاءت في كلمة “الظل الكئيب“، ودلت كلمة “أرمق” على الحركة.

وأسير في دنيا المشاعر حالمًا            غردًا وتلك سعادة الشعراء

استعمل الشاعر الكناية في هذا البيت للدلالة على سعادته بشعره وترنيمه، وبالأخص حين قال “دنيا المشاعر” فكأنه شبه عالم المشاعر والعواطف بالحياة الدنيا في اتساعها ورحابتها وجمالها، كما استعمل خطوط الصورة التي تدل على الحركة في لفظ “أسير“.

أصغي لموسيقى الحياة ووحيها       وأذيب روح الكون في إنشائي

استخدم الشاعر في هذا البيت التجسيم حيث أكسب الكون صفةً تجسيمية؛ وكأن الكون إنسان له روح، كما وأضاف سمة التجسيم للحياة حين قال “موسيقى الحياة“، فكأن أنشودةٌ للعازفين، تدل جملة “موسيقى الحياة” وكلمة “إنشائي” على استعمال الشاعر للصوت، أما جملة “أذيب روح الكون” فهي دلالة على الحركة، وهي إحدى خصائص أجزاء الصورة في الموسيقى الداخلية للشعر.

غير أن هذا البيت العروض فيه صحيحة لكن ضربه مقطوع كما يوضح التقطيع العروضي التالي

 (أصغي لمو/ سيقى الحيا/ ة ووحيها       وأذيب رو/ ح الكون في/  إنشائي)

 ( اه اه ااه   / اه اه ااه  / اااه ااه      اااه ااه / اه اه ااه/ اه اه اه)

( مُتْفاعِلُن /   مُتْفاعِلُن /  مُتَفاعِلُن            مُتَفاعِلُن   / مُتْفاعِلُن / متفاعل)


[1]- العوين، محمد، عبد الله، تداعيات العبث في الفكر والأدب، شركة الطباعة العربية السعودية، الرياض، صفحة 45

[2]-العقاد، عباس محمود، المختارات من أدب العقاد، الرياض، منشورات الفاخرية، 1982، صفحة 193.

اترك تعليقًا

Please log in using one of these methods to post your comment:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s