إشكاليات التكنولوجيا على التعلم، الهوية والفرد

تتعدد أسباب استخدامنا للتكنلوجيا من النفعية الخالصة التي نرجو من ورائها تعزيز مستوى تعلمنا وتطوير مهاراتنا، إلى الحضور الرقمي في سوق العمل، إلى استخداماتنا الشخصية، وتبادل حسابات وسائل التواصل الاجتماعي. كيف تزحف التكنلوجيا إلى عقولنا.. إلى فردانيتنا وخصوصيتنا وطرق فعالية تعلمنا وإلى سلوكنا الإجتماعي وعلاقتنا بالآخرين؟

التعلم والتكنلوجيا

لا ريب أن لإقتحام التكنلوجيا الأثر البالغ على حياتنا، لا سيما في طُرق تلقي ومعالجة البيانات. إذ أظهرت دراسة نشرت من جامعة أوستن تيكساس. لعام 2017 التالي، قدم العلماء اختباراتٌ لقياس مستوى التركيز ولمعرفة وقياس القدرة على معالجة وحفظ المعلومات لعينة من الطلاب وطلب العلماء من مجموعة الطلاب تلك أن يضعوا هواتفهم على طاولة مقلوبة بحيث لا يرون الشاشة، أو في الجيب أو في غرفة أخرى بعيدا عنهم وكانت النتائج كالتالي:

أظهرت البيانات أن أسوء النتائج كانت من الفئة التي وضعت هاتفها على الطاولة، تليها الفئة التي وضعت هواتفها في الجيب وأخيرًا من كانت هواتفهم في غرف أخرى.. وبينت الدراسة أنه حتى مع وجود الهاتف مغلقًا إلا أن لهُ القدرة على استنزاف وتشتيت التركيز والإنتباه. لكن لم هذا؟ يذكر “ابراهيم السكران” في كتابه “المجاريات”، أن أحد أسباب “التسلل الشبكي” كما يُطلقُ عليه اصطلاحًا وهو أحد خواص الإنترنت والشبكات، إذ يُعرف بالتسلسل المتتالي للمواد القصيرة المعروضة، ويُعزى ذلك لكون المُستخدم أو الطلاب في حالتنا تلك يدفعون عنهم الإثقال العلمي أو الضغط الأكاديمي باستخدام الشبكات كوسيلة دفاع نفسي وآليةٌ للتهرب من الضغط النفسي. لكن هل يقتصر الأمر عند هذا الحد؟

مدمنو البيانات – Dataholics

مما يدفعهُ كذلك طالب العلم من ضرائب تدخل وتأثير التكنلوجيا على العقل البشري، ما يعرف اصطلاحًا بإدمان البيانات – Dataholic، وبالرغم من عدم اتقاق العلماء عمومًا على هذا المصطلح وما إن كان يصنف كأدمان فعلًا أم لا، ألا انه ما من شك أن تنوع واتساع مصادر البحث وكثرتها يوقع الكثير من المتعلمين في التشعبات التي لا طائل منها متناسين الصورةُ الكبرى، واقعين سهوًا بما يسيمه ابراهيم “شهوة الإستقصاء”، وهذا السلوك هو الآخر ماقد يُفضي إلى الوقوع بين حيرة فترة تلقي العلم – Passive Learning وبين فترة تطبيق هذا العلم Active Learning. وذلك لتأثير الاستخدام الغير معتدل للتكنلوجيا عموما، ولوسائل التواصل الاجتماعي خصوصًا، على تأخير أو الحد من تطوير واكتساب عادات تعلمية فعّالة، أو بناء مهارات حقيقية، فإن كان كثير من الطلاب يلجئون إلى استعمال التكنولوجيا الحديثة كوسيلة دفاع أو تهرب نفسية من أعمالهم، وضغوط الدراسة الشاقة، فقد أثبتت الدراسات السلوكية الحديثة في علم الأعصاب، أن الإنتقال من إحدى المهام التي تتطلب تركيزًأ عاليًا، لمهام أخرى ثانوية، كالرد على الرسائل الإلكترونية مثلًا أو تصفح برامج التواصل الاجتماعي، كفيلٌ بتشتيت المرء عن مهمته الرئيسية، بل تزداد نشبة عدم اتمام هذا العمل بالمرة.

الهوية والإيجو، الأنا والميثولوجيا

لا شك أن أي سلوكٌ بشري أو تفضيلٌ نفسي، هو نتاج تفاعلات العلاقات الداخلية للإنسان التي أنتجت ذلك النهج أو السلوك المعرفي، سواءً أكانت تلك تأثيرات البيئة الثقافية أو الخارجية، أو القيم والمبادئ الشخصية، المهم أن مجموع أجزاء الصورة الكبرى، تتكامل معًا في نُسقٍ مُحدد، وتستمد من تفاعلات العالم الداخلي مُحركاتها ودوافعها، وهو مايُصب وينعكس على السلوكيات التي نتخذها في العالم الخارجي. ومع ذلك، يرتبك الكثير منّا في تحديد أهم معالم عوالمنا الداخليةُ تلك، ويشوبُ البعض لبسٌ تجاه تصوره عن “آناه” تلك، أو ذاته الداخلية، وصورته الخارجية عن ذاته أو مايعرف بالـ”هو” بمفهومٌ أخر، وقد أختلف علماء النفس، والفلاسفةُ في مفاهيمهم عن الذات، ومنها ما يأتي:

طرحت فكرة « الذات الحقيقية » لأول مرة منذ فترة طويلة، وبالتحديد في العام 1951، من قبل عالم النفس الأمريكي المؤثر كارل روجرز Rogers، والمعروف على نطاق واسع بأنه أحد الآباء المؤسسين للعلاج النفسية. تستند نظريته عن الذات الحقيقية إلى الخصائص الموجودة التي لا تحتاج بالضرورة إلى أن يُعبّر عنها بشكل كامل في الحياة الاجتماعية العادية، ربما لأنه لا توجد بالضرورة مناسبات تكون فيها واضحة؛ وبدلا من ذلك، تُصوّر على أنها ردود أفعال معينة في حالات افتراضية.

وتفترض نظرية التحليل النفسي بناء نفسيا، وهذا البناء يتكون من ثلاثة مكونات: الهِو، الأنا، الأنا العليا. وتوجد الهِو من لحظة الميلاد، وهي تهتم فقط بارضاء الحاجات ويتحكم فيها مبدأ اللذة وتبحث دائما عن اللذة وتتجنب الألم، وتظهر الأنا في طي الحاجات الداخلية ويكون وضوحها عن طريق الهو ومطالبها الخارجية، وتلعب الأنا دورا كبيرا حيث انها تمثل مبدأ الواقع طالما هي تضع الحدود لمبدأ اللذة عند الهو، وللانا دور هام في عملية النضج وتحمل المسئولية. أما الأنا العليا فهي تمثل المنظم الاجتماعي للبناء النفسي، مثل قيم الأسرة والاشكال المعرفية عند المراهقين، واحيانا يشار الى الضمير الذي يجد من الأنا العليا وكيلا مراقبا، فهناك وظيفة واحدة للانا هي ان تكون حلقة الوصل بين طبيعة المرء العدوانية الواضحة (الهو) والمؤثرات والحدود والمعايير الاجتماعية (الانا العليا) وتحفظهم في توازن.

وبعد خمسين سنة، شهد العصر الرقمي قيام جون بارغ Bargh وفريقه بوضع مفهوم الذات الحقيقية على الإنترنت للإشارة إلى ميل الفرد إلى التعبير عن جوانب الذات « الحقيقية » من خلال الاتصال المجهول الهوية بالإنترنت بدلا من الاتصالات المباشرة وجها لوجه. تتمثل الفكرة هنا في أن شبكة الإنترنت توفر للأفراد فرصة فريدة للتعبير عن الذات، والتي تشجع الناس على الكشف عن ذواتهم الحقيقية، بما في ذلك الجوانب التي لا يُعبر عنها بشكل مريح وجها لوجه. ومن هنا، أدت وسائل التواصل عبر الشبكات الاجتماعية إلى ظهور ثلاث ذوات محتملة: الذات الحقيقية true self، التي يُعبر عنها في البيئات المجهولة الهوية من دون القيود التي تفرضها الضغوط الاجتماعية، والذات الفعلية real self أي الفرد المتوافق المقيد بالأعراف الاجتماعية للتفاعلات التي تتم وجها لوجه؛ والذات المحتملة possible self، التي تظهر لأول مرة، والمأمولة، التي تعرض على مواقع الشبكات الاجتماعية.

لكن على النقيض من ذلك، ومن وجهةُ نظرٍ أو طرحٌ مغاير لمفهوم الأنا والهو، يعتبر فهمنا “السيميائي” للميثولوجيا القديمة عاملًا مهمًا في إدراك أن تجليات وتمظهرات إحدى الأساطير الإغريقية القديمة مثلًا، لا يقصد بها مجرد الوقوف على معانيها العامة الظاهرة، بل حتى ما قد يصلُ إلى أذهاننا من فهمنا للصورةِ الظاهرة قد لا يكون مُطابقًا بالضوروةِ لما تحويه تلك الأسطورة أو الملحمة من معانٍ باطنيةٌ خفية تفيد في تبيان تجليات تلك الأساطير “سيميائيًا”. وهو الأمر نفسه الذي ينطبق على وسائل التواصل الاجتماعي وتمظهرات آناتنا فيها. فإن كُنّا نعمل على إظهار إحدى أوجهنا الذاتيةُ فيها، فلا يعني بالضرورة أن ذواتنا تتجسد من خلال تمثيلاتنا تلك تجسدًا حقيقيًا، بل حتى تمثيلاتنا تلك لإنفسنا قد يطالها الكثير من التشويه أو الإدعاء، بسبب المفارقة الحاصلة بين ذواتنا التي نعمل على تجسيدها في “المواقف الأمامية” في برامج التواصل الاجتماعي، وبين ذواتنا الحقيقية، المتأثرة بكامل ملابسات الصورة الخلفية، سواءً أكانت تلك من تأثيرات العوامل الاجتماعية-النفسية أو العوامل الثقافية والمادية. وفي النهاية، يجيء مفهوم “بوذا” مخالفًا لتلك التصورات جميعها عن الذات والأنا والهو، إذ يرى بوذا أن ما يشكل تصورنا عن “الأنا” هي مجموعة من التجارب والانفعالات والمفاهيم اللحظية المختلفة التي تشكل وعينا والتي تعتبر دائمة التغيّر، مؤكدًا على أن تصورنا بامتلاك نواة شخصية ثابتة ودائمة هو أمر وهمي، وأن كل شيء محكوم إلى التغيُّر.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s