النظام الموضوعي في الشخصية 

يعتبر مؤشر مايرز بريغز للأنماط Myers–Briggs Type Indicator أداةٌ عملية لتتبع وفهم أهم صفات الأفراد من حولنا ولفهم أنفسنا، كما ويستعمل على نطاقات واسعة لأسباب أكاديمية أو شخصية، وبالرغم من انتشاره على نطاق واسع، ألا إن القدر الذي يصل إلى شريحةٌ أكبر من المجتمع، يعتبرُ قاصرًا مقتصرًا على اجراء الاختبارات الإلكترونية المجانية الغير معتمدة من الجهات الرسمية، والتي قد تؤدي عرضًا لتصنيف الشخص في غير محله، أو قد تقتصر فقط على القراءة السطحية للصفات الظاهرية عن هذا النمط دونًا عن الآخر.

1. الأسلوب العلمي في تحديد نمط الشخصية

لا تغادر المعايير الأدق والأصح التي يبنغي الرجوع إليها حين يريد الفرد تحديد نمط شخصيته اتباعها للأسلوب العلمي وذلك على معيارين، يندرج تحتهما عدة نقاط:

المعارف والملاحظات والحقائق المستقاة من وجهة النظر الخارجية

لا شك أن قيمة الرصد الموضوعي والشامل من وجهات النظر الخارجية قد اكتسب قيمته العلمية في المجتمع العلمي وفي اسلوب البحث العلمي بالأخص، إذ يعتبر تطابق المشاهدات والملاحظات تجاه ظاهرة علمية بعينها بإدلاء مختلف العلماء على هذه الظاهرة واحدة من طرائق البحث العلمي.

لا يختلف الأمر كثيرًا حين يتعلق الأمر بانعكاسات صورنا الداخلية وتفاعل ذواتنا ومن نكون في العالم الخارجي، إذ يمدنا التكامل الجوهري بين الأنا والعالم الداخلي للانسان وانعكساتها مع العالم الخارجي بصورة قريبة للأنماط والسلوكيات والعادات التي نسلكها، والتي تشكل جزءً من محاولتنا لرصد سلوكيات شخصياتنا شيئا فيشيئا.

حين يتعلق الأمر بوصف سلوكياتنا الشخصية بواسطة العالم الخارجي، تظهر إحدى المفاهيم المعرفية التي يمكن تطبيقها على معرفتنا بذواتنا، وذلك من حيث تقسيم المعرفة إلى ثلاثة أقسام:

١. نوع نعرفه، ونعرف أننا نعرفه

كصورتنا الذاتية والداخلية عن ذواتنا

٢. نوع لا نعرفه ونعرف أننا لا نعرفه

كتصورات وأفكار الآخرين عن ذواتنا، إذ يرى الآخرون منا مالا نستطيع رؤيته في أنفسنا

٣. نوع لا نعرفه ولا نعرف أننا نعرفه

وهو ما يشمل النوعين السابقين، إذ لقدرات ذواتنا الداخلية على ارباكنا وتصرفاتها الغير محسوبة والغير متوقعة، مايتعدى معرفتنا الضئيلة لفهمها، كما ومن غير المقدور معرفتنا بأحوال الآخرين النفسية والعقلية سواءً كانت تتعلق بنا أو بعوالمهم الداخلية.

2. المعارف الداخلية والعلمية بالوظائف المعرفية في نظام كارل يونغ

يكمن التحدي المستمر في فهمنا التقليدي لنظرية كارل يونغ في الوظائف المعرفية، هو القصور الذي يعتري النظرية ما إن يتم تطبيقها على العالم الخارجي، وعلى فئة أوسع من المجتمع، وهو مايبدو أنه يتعارض مع توافق الآخرين مع الصور المرسومة عن طريقة ترتيب الوظائف المعرفية الخاصة بنمطهم، أو حتى باختلاف اصحاب النمط الواحد في السلوك والمأخذ. يعود هذا القصور إلى اختلاف استعمالتنا الشخصية لوظائفنا المعرفية النموذجية حسب النظرية، ويعرف أصحاب هذا السلوك بالقافزين – Jumpers وهو ماعزى Dave & Shan إلى بنائهم لاستنتاجهم أن هناك ما يقارب الخمسمئة شخصية، في ضوء معرفتنا السابقة بالقفز بين الوظائف المعرفية.

مع ذلك تأتي الخطوة الثانية لمعرفة نمط الشخصية هي تطويرنا لمقاييس ومفاهيم جديدة تساعدنا على معرفة المعارف العلمية والعملية الخاصة بالوظائف المعرفية عند كارل يونغ وما يندرج تحتها من معرفة عدة أمور:

أ. الرموز الأسياسية I/E, N/S, T/F, J/P

تحدثنا في هذا الموضوع سابقًا وربطناه بأساليب التعلم هنا: مؤشر الـ MBTI والتعلم.

تشير كل واحدة من تلك الحروف الثمانية إلى اختصار لإحدى التصنيفات في نظام يونغ للشخصيات وهي كالتالي:

الانطوائية/ الانبساطية — Introvert/Extrovert

وتشير تلك التصنيفات لا إلى الرغبة في المشاركة أو في تفضيل الانطواء على الانبساط، بل تشير إلى التفضيل المعرفي الذي نتحصل من خلاله على المعرفة في العالم من حولنا، سواءً أكان ذلك عن طريق الانفتاح على العالم الخارجي وتجاربه ومايقوم فيه من أحداث، أو عن طريق استقائنا للمعرفة من خلال تعمقنا وتشعبنا فب عوالمنا الداخلية وإمعان النظر فيها. وتُعرف الأنماط الانبساطية باستعمالها للوظائف الانبساطية كالوظيفةُ المعرفية المهيمنةُ عندها مثل الأنماط التالية:

أما الأنماط الانطوائية فتقوم باستعمال وظائفها الميهمنة الانطوائية في تحليل ومعرفة العالم من حولها مثل الأنماط التالية:

الحدس/ الحس — Intuition/Sensing

العاطفة/ التفكير — Feeling/Thinking

الحكم / الادراك — Judgment/ Perceiving

تشير بشكل أساسي إلى الطريقة التي يظهر فيها الشخص للعالم، بعيدًا عمَّ إذا كُان أصحاب هذا التفضيل المعرفي يميلون إلى اتخاذ القرارات أو إطلاق الأحكام أو لا، إذا ما سلمنا جدلًا بإن هذا السلوك غير مقتصر على مستخدمين إحدى التفضيلات المعرفية دون الآخر.

يفضل أصحاب التفضيل الادراكي على الظهور للعالم بصورةٍ مرنة، فوضوية وذات سلوكيات متساهلة ومنفتحةٌ مع تجارب العالم الخارجي، بينما يظهر اصحاب التفضيل الحَكمي بشيء من الحزم والجدية والتنظيم في سلوكياتهم ومآخذهم مع العالم الخارجي.

ب. الوظائف النفسية عند كارل يونغ

الوسيلة الثانية والأكثر دقة في معرفة نمط الشخصية هي معرفة الوظائف المعرفية الثمانية:



وفي المقالة السابقة: دليل الانطوائي في أوقات الوحدة استعرضنا الوظيفة المهيمنة لكل نمط، والنشاطات التي يبرع بها كل نمط بناءً على الوظيفة المهيمنة. وقد كتب جواد كتيب عن الموضوع شمل فيه أهم الأفكار الرئيسية عن الوظائف المعرفية ويظهر في هذا الجدول تلخيصًا للوظائف المعرفية الثمانية وارتباطها بالتفضيلات المعرفية سواءً كانت انبساطية أم انطوائية.

ج. الاحتياجات الإنسانية Human Needs

وتظهر هنا بعض السلوكيات والأنشطة المعرفية التي يسهل معها معرفة الوظائف المعرفية وتقترن بعض الوظائف المعرفية أحدها مع الأخرى مكونةً المفاهيم التالية حسب Dave & Shane.

جمع المعلومات & تنظيم المعلومات Gather & Organize

جمع المعلومات – Gather

يملك أصحاب هذا الأسلوب التعلمي وظيفتا:

الحدس الانبساطي Extrovert Intuition

الحس الانبساطي Extrovert Sensing

أصحاب هذا النمط من التفضيل المعرفي يعملون على جمع المعلومات – Ghatering مستعملين مختلف المصادر والأبحاث والمراجع المختلفة التي تصادفهم في طريقهم، منتقلين بين مختلف المواضيع المتعلقة والمتقاربة من موضوع بحثهم، وتشبه طريقة معالجتهم للأمور لتشتت الانتباه وفرط التفكير A.D.D في الانتقال من موضوع لآخر.

تنظيم المعلومات – Organize

يملك أصحاب هذا الأسلوب التعلمي وظيفتا:

الحدس الانطوائي Introvert Intuition

الحس الانطوائي Introvert Thinking

يعمل التفضيل المعرفي لأصحاب هذه الوظيفة على تنظيم وتصنيف وجمع المعلومات في إطار أسلوب نمط محدد، متعمقين في نفس ذات الموضوع، متداركين جميع أجزاءه. ناظرين في نفس المصادر والمراجع مرارًا وتكرارًا بحثًا عن المعلومات الجديدة.

العشيرة & الذات — Tribe & Self

وظيفتا العاطفة والتفكير هي وظائف تُعنى باتخاذ الأحكام والقرارات وتظهر بمفهومين:

العشيرة أو الآخرين – Tribe

أصحاب هذه الوظائف المعرفية يستعملون الوظائف المعرفية الانبساطية (Te, Fe) وهي ترتبط بشكل أساسي بأخذ الرأي العام، ومشورة الآخرين ووجهات نظر العالم الخارجي.

الهوية أو الذات – Self

الوظائف الانطوائية (Ti, Fi) مرتبطة بالتفضيلات الشخصية ووجهات النظر الفردية تجاه الأمور عند اتخاذ القرارات دون النظر في وجهات نظر العالم الخارجي وقيمه.

د. الحيوانية — Animals

يشير مفهوم “الحيوانية — Animals” إلى اقتران بعض الوظائف المعرفية التي لا تُعنى باحتياجاتنا الإنسانية عن الهوية والوجود وجمع المعلومات، بل عن نشاطنا وطاقاتنا الاجتماعية، وهي تعبر بشكلٍ أساسي عن اقتران الوظائف الحكمية (Ti,Te /Fi,Fe) مع وظائف الملاحظة واستقاء المعلومات (Si,Se /Ni,Ne)

النوم & اللعب — Sleep & Play

اللعب — Play

يشير مفهوم اللعب — Play إلى اقتران وظيفتين انبساطيتين أحدهما حكمية والأخرى معنية بملاحظة ودراسة العالم سواءً أكانت (Te,Se / Te,Ne / Fe,Se / Fe,Ne )

يميل أصحاب الوظائف الانبساطية إلى المعالجة الآنية للأمور ويميلون إلى تبديد طاقتهم في العالم الخارجي عوضٌ عن معالجة الأمور أولًا، ويمكن رصد اقتران تلك الوظائف المعرفية معًا بدراسة بعض السلوكيات التي تشير إلى ارتفاع استخدام الوظائف الانبساطية ويظهر منها التالي:

– يتعلمون بفعالية بصحبة الآخرين

– يعالجون الأمور لحظيًا أثناء الحديث

– يواجهون صعوبة في التعامل مع اقتران وظائفهم الانطوائية

– غالبًا ما يكونوا معروفين من خلال طاقتهم ونشاطهم

النوم — Sleep

يشير مفهوم النوم إلى اقتران وظيفتين انطوائيتين أحدها حكمية والأخرى معنية بملاحظة ودراسة العالم وهي الوظائف المعرفية التالية: (Ti,Si / Ti,Ni / Fi,Si / Fi,Ni )

ويميل اصحاب الوظائف المعرفية االانطوائية إلى ادراك ومعالجة عوالمهم الداخلية أولًا ومن ثم الانخراط في تجارب العالم الخارجي، ويميلون إلى عدم تفضيلهم للنشاطات الاجتماعية والحفلات الصاخبة.

التشرب & التدفق — Blast & Consume

يشير مفهوم التشرب والتدفق إلى اقتران وظيفتين مهيمنتين وتحديدًا إحدى الوظائف الحكمية (Ti,Te /Fi,Fe) مع وظائف الملاحظة واستقاء المعلومات (Si,Se /Ni,Ne) وينقسم هذا المفهوم لقسمين:

التشرب — Consume

يستعمل أصحابها الوظائف القياسية المهيمنة حسب مؤشر مايرز بريغز للأنماط وهي الوظائف المعرفية المختصة باطلاق الأحكام واستقاء المعلومات، ويلاحظ عند دراسة سلوكيات هذه الوظائف المعرفية بإنها تستمد المعلومات والمعارف لدوافع شخصية مستقاة من القيم الشخصية، ولا تأتي أولوية مشاركة هذه المعرفة مع الآخرين كأولويةٌ قصوى يندفع معها إلى مشاركة خبراته ومعارفه مع الآخرين، ويقترن هذا النمط غالبا عند أنماط IxxP و ExxP عند اقترانهم بالوظائف المعرفية التالية:

التدفق — Blast

على العكس من مفهوم التشرب، يأتي موضوع التدفق – Blast وهو على نظير موضوع التشبع، يأتي قرينة استعمال وظيفتين معرفيتين مهيمنتين أحدهما حكمية والأخرى تُعني بملاحظة العالم ومعرفته، وعلى العكس من مفهوم التشرب – Consume يأتي مفهوم التدفق — Blast مدفوعًا بالتعلم والمعرفة حتى ينقل معرفته وخبراته للآخرين وتكتسب أولوية مشاركة الآخرين تلك المعرفة أولويةٌ كبيرة لأصحاب أنماط IxxJ و ExxJ واقتران وظائفهم المعرفية كالتالي:

التعبيرات الجندرية والوظائف المعرفية

تأتي التعبيرات الجندرية دلالة عن مدى قوة إحدى الوظائف المعرفية وشدة ظهورها، ومهو مايظهر معه ان هذه الوظائف المعرفية تمتاز بالذكورة – Masculine. أو على النقيض من ذلك، تدل تنحي إحدى الوظائف المعرفية وعدم ظهورها بقوة على أنوثة – Feminine هذه الوظائف المعرفية.

تنصل

تعتبر النُظم الموضوعية في الشخصية objective personality systems أو نظرية كارل يونغ تحديدًا، نظرية واحدة فقط من مئات النظريات في علم النفس تهدف إلى محاولة تأويل السلوك الإنساني، وفي الاطلاع الواعي لها وفهم الوظائف المعرفية فيها، جديرٌ بإن يفتتح للمرء معها آفاقٌ جديدة لفهمه لنفسه وللآخرين من حوله، غير أنه الاستعمال الخاطئ لها المتمثل في بعض الممارسات الخاطئة والقاصرة، فقط بغيّة أن يحصر المرء نفسه في قالب أو تصنيف معين أو أن تمنعه من التذرع عن التطور الشخصي والعاطفي لهو نهجٌ يعارض الحس السليم والمعتدل تجاه العلوم الانسانية، التي وعلى الرغم من النهج العلمي لها ألا انها تظل اجتهادات إنسانية في التأويل.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s