(7) الفلسفة في عهد الإمبراطورية الأولى وحتى القرن الخامس الميلادي

اتخذت المدارس الفلسفية التي عرفت فيما سبق شكلًأ جديدًا مُحدثًا في الفترة الواقعة بين القرن الأول، إلى الثالث للميلاد. إذ اختفت الفلسفة الأبيقورية والشكاكية من الصورة ببطئ وبدون تأثير يذكر، وطُورت الأفلاطونية الجديدة التي جائت جامعة بين تعاليم أفلاطون والمدرسة الرواقية، كما وأُنسنت مبادئ الفلسفة الرواقية كذلك في تلك الفترة وتم التخلي عن العديد من المذاهب فيها، مثل مذهب الحريق، وشُككت بقيمة العرافة، مُفسحةً المجال للتحجيم من أهمية القدر والعناية على جوانب أخلاقية.

  • الرواقية المحدثة

جائت أنسنة الرواقية والتخلي عن بعض مبادئها على أيدي الرواقيين المحدثين، فهي وإن كانت في بدايتها فلسفةٌ تعنى بأسلوب الحياة ونمطها، فمع الفلاسفة المُحدثين عنيت بالاتجاه الأخلاقي والروحي، وكان من أهم فلاسفتها اثنين من الفلاسفة الشرقيين وهما ديجونس وبؤثيوس. وانتشر مُعتنقي هذه الفلسفة ومن أهم الامبراطور اليوناني ماركوس أوريليوس.

  • الأفلاطونية المحدثة

نشئت من التطورات بين الأفلاطونية والأرسطية والرواقية. وكان أهم فلاسفتها أفلوطين، الذي تتلمذ على يد أهم شرّاح أرسطو. وتتمثل حياة أفلوطين كناسك متفرد في عالم الأفكار والفلسفة، والمتتبع لحياته يرى سمة الروحانية والصوفية في فلسفته، فهو لم يكن عابئًا بالإضطرابات والتواترات التي كانت تحصل على الأصعدة السياسية والإمبريالية حين ذاك، وانتقل الى روما وأسس مدرسته هناك. وكانت فلسفة أفلوطين لا تتفق مع مبدأ الواحد والعقل الإلهي مع الأفلاطونيين المتوسطين.

مذهب أفلوطين في النفس

مذهب أفلوطين في النفس كذلك يتوسع عن مذهب أفلاطون نفسه في محاورة “طيماوس”. ويقوم مذهب أفلوطين في النفس على الاستبطان إلى حد كبير؛ فهو يرى العالم من خلال نظرته إلى حياى الروح الإنسانية وأعلى مستويات الوجود التي يدركها، وهي اسقاطات على المستوى الكوني لمراحل التطور الإنساني. اختلف أفلوطين عن أرسطو في مبدأ الصورة والمادة، وتأثر بالرواقية الوسطى مستمدًا منها فكرة العطف الكوني.

مذهب أفلوطين في الكونيات

ارتبطت فكرة الكونيات عند أفلوطين كسائر الفلاسفة بالأخلاق ومحاولة ممارسة الفضيلة التي تقود للارتقاء الروحي.

  • الأفلاطونية الوسطى

قامت الأفلاطونية المحدثة بشكل اساسي على الإلهيات، واستحدثوا مفهومًا جديدًا فيها، يجمع بين مفهوم “الواحد” عند أفلاطون، والمحرك الذي لا يتحرك عند أرسطو. وكانت الإلهيات عندهم طريقة دينية في الحياة، الهدف منها معرفة الإله وتحقيق “اكبر شبه ممكن للإله”. وبالرغم من ذلك، ألا إن الخلافات والصراعات بين المدارس المختلفة كان لها الأثر على المدرسة الأفلاطونية الوسطى، ومن تأثيرات المدارس المختلفة كان التالي.

١. الأفلاطونيين، ونظرتهم العدائية تجاه توجيهات أرسطو.

٢. ألبينوس، المتأثر بفلسفة أرسطو في المنطق والميتافزيقيا، ذا النظرة المحايدة العقلانية تجاه الشعور الديني، مقارنةً بالأفلاطونيين.

٣. الفيثاغوررين، الذين اعادوا إحياء بالتنجيم والنزعة الباطنية والخصائص السرية للأعداد.

اليهودية المتأغرقة والمنافحون

كانت الفلسفات الهيلينية التي أثرت في الفكر المسيحي المبكر هي الفلسفات ذات الأهمية الكبرى في العالم الإغريقي-الروماني، وهي الأفلاطونية الوسطى والرواقية، والتأثير المباشر بين الفكر الإغريقي واللاهوت المسيحي المبكر، ثم من خلال اليهودية المتهلينة بالأسكندرية والمتمثلة بالأخص في أعمال فيلون اليهودي، الذي عمل على تفسير التوارة مستعملًا التأويل الأمثولي للفلسفة الإغريقية.

عُهدت إلى فيلون اليهودي الأكاديمية، وهو الذي دعا إلى التعليم الإيجابي؛ أي أن فلاسفة أحد المدارس صاروا يقرأون كتابات المفكرين الكبار الذين ينتمون لمدرسة أخرى باحترام وعلى أمل تعلم شيء منها، لا لمجرد الاختلاف والتناظر معها. جاء من بهد فيلون خليفته من بعده في الأكاديمية وهو أنطيخوس العسقلاني وكان تلفيقيًا، أي ينتقي النتف والشذرات الصغيرة من كل مايسره في تعاليم جميع المدارس، لا متمسكًا بمنظومة مدرسية بعينها. تمثلت جهود أنطيخوس العسقلاني على الرد على الهجمات الشكية للمدارس العقائدية، وكان أثناء ذلك قد جمع بين الأفلاطونية والرواقية، حتى أنه جعل التعليم الرواقي إنما هو تعليم أفلاطون.

كان أفلوطين أهم الفلاسفة الأفلاطونيين المحدثين، لكن مع وفاته وتولي تلميذه النجيب فرفريوس التدريس في مدرسته في روما ومع تعاقب المعلمين مثل يامبليخوس السوري أسفرت الأفلاطونية المحدثة على هدفين جديدين وهما:

١) تزويد وثنية العالم بلاهوت متكامل ومتماسك.

٢) التأويل الأمثولي للكتابات الوثنية مثل محاورات أفلاطون والأساطير المصرية والإغريقية والشرقية الأوسطية.

كان وحي فلاسفة الأفلاطونيين المحدثين هو محاورات أفلاطون وعلى رأسها “بارمنيدس” و”طيماوس” والنبوءات الكلدانية، التي ألفتها الآلهة على حد قول الأفلاطونيين المحدثون. ادخل يامبخلوس السوري “المنظومة الأفلاطونية” المحدثة المتمثلة في ثالوث “الوجود والحياة والعقل” وكان ذاك بداية التعقيدات في الأفلاطونية المحدثة بين الواحد والكثير. بعد يامبخلوس جاء عدة أفلاطونيون محدثين من بينهم سيرانوس وأبرقلس، الذي شرح محاورات أفلاطون. واخيرا جاء الامبراطور جوليان، وكان آخر الأفلاطونيين المحدثين، وكان يدرس حتى جاء أمر تحريم تدريس الفلسفة الوثنية بأمر من جوستنيان في عام 529م.

بدايات الفكر المسيحي ونهاية الفلسفة اليونانية

كانت دراسة اللاهوت حتى وقت قريب جزء من الفلسفة يهتم بالوقائع الإلهية التي لا يعتريها التغير والباقية ابدا، وكانت تتمثل إلى حدٍ كبير في القديس توما الأكويني الذي تأثر بإلهيات أرسطو. وحتى وقت قريب حين جاء معاصروا الأكويني وبالأخص القديس بونافنتور وأنتهجوا أساليب ومناهج “الحكمة المسيحية” في تأويل الوحي حسب تقاليد الفلسفة اليونانية. وجاء اللاهوتيون المحدثون للتفريق بين اللاهوت الوثني الإغريقي عند اليونانيين، والذي يعني ببلوغ الوقائع من خلال العقل البشري دون العون من أس شيء آخر، بينما جاء اللاهوت المسيحي مهتمًا بالواقع الواقع الإلهي في ذاته وبعلاقته بالإنسان والموجودات الأخرى، من خلال وصف الصورة الكاملة بين الانسان واللاهوت، لكنه يصر على حقيقة أن الحقيقة الإلهية خارج متناول العقل الانساني بمفرده ولذا تظهر الحاجة الى المعلومات التي يوفرها الله لنا وهي الوحي.

نتج عن ذلك سوء فهم كبير حين شرع فيلون في التأويل الأمثولي لسفر التكوين 7:3 متأثرًا بمحاورة أفلاطون “طيماوس” ونتج عن ذلك مفهوم “الروح” أو تجسد جزء من الروح الإلهية في الانسان، وتأثر القديس جوستن هو الآخر بمبدأ “اللوغس الذري” عند الرواقيين، وجعل هذا اللوغس شخصًا إلهيًا تجسد على الأرض واتخذ طبيعة انسانية كما وقد تبنى مذهب الثالوث الذي يدعى وجود ثلاثة اشخاص إلهية “الاب والابن والكلمة أو روح القدس”.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s