مراجعة رواية الناقوس الزجاجي، سيليفيا بلاث

سيلفيا هي من إحدى هؤلاء الأدباء الذي شابت معرفتي بهم شيء من التوجس والمعارضةُ مني في التواطئ مع آدابهم؛ تمامًا كعبثية كامو أو شاعرية نزار قباني المُغدقة في الوله، وغير إحدى المقالات التي قرأتها عن الراواية في مكتبة جامعة كامبريدج ما شرعت في قراءتي للرواية.

الناقوس الزجاجي، هي من إحدى الروايات التقدمية كما أفضل تسميتها، كرواية دفتر مايا أو الحالة الحرجة للمدعو كاف، أو الحارس في حقل الشوفان، بل هي توأمها كما يشير النُقاد البريطانيين بذلك، مشيرين إلى تشابه ثيمة التحول في كلتا الروايتين، وتقدم آستر، بطلة رواية الناقوس الزجاجي عن كولفيلد بطل رواية الحارس في حقًّا الشوفان بعامين.

كانت الرواية اول ما كانت مخطوطةُ، تماما كالعديد من أعمال سليفيا بلاث العديدة التي أحرقتها ولم ترى النور. لم ترد سليفيا نشر هذه الراوايةُ وهي حيّة، غير أن يد النُشِّار تطال كل شيء فور نعي ثرى صاحبها، ونشرت في عام ١٩٦٣ في العام الذي أنهت فيه سيليفيا حياتها.

اختارت سليفيا بلاث بطلةُ قصتها في مرحلةٍ مفصلية بين تحول الحياة المدرسية والجامعية، ويعرف كل من مر بتلك الفترة جسامة الموضوع. نتتبع على امتداد القصة آستر، بطلة القصة التي كرست نفسها لحرز أعلى الدرجات على مقاعدها الدراسية في المرحلة الثانوية، في نظام التعليم الأمريكي الذي يُتيحُ لك الإلتحاق بمختلف الصفوف الدراسية من الكيمياء والفيزياء وتاريخ الأدب الإنجليزي في القرن الثامن عشر شريطةَ أن تحقق لك تلك المواد القدرة وتستوفي الشروط والمعايير اللازمة للإلتحاق بالجامعات المختلفة التكاليف والتي تُقدمِ مِنحًا مُختلفة حسب استكمال المتطلبات الجامعية. وفي خضم كل ذلك، تكافئ آستر وعدة فتياتٍ أخروات بجائزة تُقدمُ لهن جراء فوزهن في كتابةِ إحدى المقالات لمجلات الموضة. هيئت لهن الجائزة السفر إلى نيويورك وحضورهن لمختلف الندوات التي تنظمها المؤسسة، وهنا تقع أحداث الفصول القليلة الأولى من الرواية حين تصطدم
آستر بالعالم الخارجي وتضطربُ لديها صورتها عن الانضباط والاجتهاد الذي كرَّست به نفسها أثناء دراستها، حين يموجُ الجميع بالفوضى وعلاقتهم الغرامية التي تُخلفُ عندها نوعًا من القلق المستعرّ ورعورنةٌ غير مدروسة في رغبتها في خوضِ واحدة، لا رغبةً في الأمر، بل حتى تساير معظمُ من في محيطها، وقد قسمت الآخرين عند تلك اللحظة إلى بتول، وغير بتول.

يأتي الجزء الثاني من الرواية كمونولجٌ هذيانيٌ طويل لتعثر آستر النفسي وولوجها لناقوسها الزجاجي الذي يجثمُ على صدرها فيتركها منقطعة النفس، فقيدة الصبر للتعامل مع الآخرين، ويحتاجها عارضٌ نفسي يتركها خائرة القوى عن أن تأكل أو تقرأ أو تعمل أو أن تكمل نصف نشاطاتها دون أن يبارحها إرهاقًٌ وتعبٌ مستعرّين، ومن ذلك ما جاء على لسانها:

لم أرغب أن تلتقط صورتي لأنني كنت على شفير البكاء. لم أعرف سبب ذلك، لكني كنت أعرف أن الدموع سوف تفر من عيني إن كلمني شخص ما، أو تفرَّس في وجهي، وإن النسيج سينبعث من حلقي، وأظل أبكي لأسبوع بأكمله. كأني كنت طافحة بالبكاء، والدموع تجتاحني، كماء في كأس مترعة مقلقة.

شعرت أنني على غير ما يرام على نوع مروع. كانت المشكلة تكمن في أنني كنت دائمًا على غير ما يرام طيلة الوقت. لكني لم أفكر مسبقًا في الأمر


بعد برهة سمعت الهاتف يرن في الرواق السفلي. حشوت الوسادة في أذني ومنحت نفسي خمس دقائق. ثم رفعت رأسي. كان الرنين قد انقطع. ثم راح الهاتف يرن من جديد. للعنة كل صديق، أو قريب أو غريب علم بعودتي.

كان مجرد التفكير في الأمر يجعلني أشعر بالتعب.
كنت أرغب في القيام بكل شيء، دفعة، واحدة وأنتهي من الأمر.

ما كان يجول في عقلها كان شيئًا من التأثيرات التي تسربت إليها بدنيًا كذلك.



كنت أعرف نفسي حين أهزم.
التفت إلى الوراء.

أو في الأصوات الداخلية والأفكار الطنانة في عقل آستر عن مدى عدم كفاءتها وإن كانت كل الدلائل تشير إلى حدة توقدها


“ومثلما تعرفين يا إستر، فإن لديك الهيئة المثالية لعصابية حقيقية”《لن تبلغي مرادك إن بقيت على هذا الحال، لن تبلغي مرادك إن بقيت على هذا الحال، لن تبلغي مرادك إن بقيت على هذا الحال》

في اختيار سيليفيا للناقوس الزجاجي رمزيةٌ ودلالةٌ كبيرة، فقد سبقت كولن ويلسون بسنين حين قالت

أعلم بضرورة أن اشعر بالامتنان تجاه السيدة غويان، لكنني لم أشعر لشيء. لو أنها منحتني تذكرةً إلى أوروبا، أو رحلة بحرية حولالعالم، لكان الأمر سيان عندي، فأينما جلست — سواءً على ظهر سفينة، أو في مقهى رصيفي بباريس أو بانوك — فإنني سأكون جالسة تحت
ذات الناقوس الزجاجي، أتصبب عرقًا، في هوائي الفاسد.



ذكر كولن في كتابة إحدى كتبه يقول:

أصدر الكاتب الفرنسي “هنري باربوس” رواية باسم” الجحيم”، وهي عن رحل “في الثلاثين من العمر هبط باريس للبحث عن عمل، كان وحيداً ولا يهتم به أحد، فشعر بأن الحياة خانقة وكئيبة وبلا معنى. وأنها حلم، وحين يموت يصبح كأنه لم يعش. ثم يكتشف ثقباً صغيرا في حائط غرفته في الفندق، ومن خلاله استطاع أن يتلصص على الغرفة المجاورة. وفجأة انفتحت أمامه حيوات الآخرين. أول مرة تلصص فيها، رأى الخادمة ترتب الغرفة، لم تلفت نظره من قبل، فقد كان يراها امرأة فظة تفوح منها رائحة كريهة، أما الآن فقد جرتها الليل من القبح، ومسح عنها معالم البؤس والألم. أخرجت خطابا من صدرها، ووقفت قرب النافذة تقرأه، ثم قبلته وخرجت. أصبحت فجأة شخصاً بالنسبة إليه، وبدأ يشعر بأنه أقل وحدة. منذ ذلك الحين بدأ يقضي معظم وقته يتلصص من ثقب الحائط، وبدأ يدرك ببطء حقيقة الحياة. بدون ادراك معنى الحياة، نكون كمن يعيش في قفص زجاجي، ويعجز في الوصول إلى الآخرين.”



لربما هذا كان المقصد حين أرادت سيليفيا أن تتخير الناقوس رمزًا لروايتها ممثلًا
ما مرت به بطلتها. للمصير الذي مرت به آستر من جلسات الصعق الكهربائي ومثولها امام أطباء نفسيين غير مهنيين، واحتجازها في مستشفى الأمراض العقلية جديرٌ بإن يعيد لدينا المباحث التي أثارها الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو حين درس تاريخ الجنون، والإجراءات التي كانت تفضي بعزل أصحاب الاختلافات، التي ليست بالضرورةِ عللٌ ولا أمراضٌ مستعصيةٌ تستوجب العزل والإخضاع للإستشفاء والبراء منها.

إلى جانب ثيمة الرواية الكبرى التي تتمثل في حدثين كبيرين ورئيسين تمامًا كرواية الحارس في حقل الشوفان، نرى تشابهًا آخر في الصلات الإجتماعية بين البطلة والمحيطين به في كلتا الروايتين. فهي وإن رغبت في الخوض في علاقة غراميةٍ مع أحدهم، ألا إنها كثيرًا ما ترصدت للرجال من حولها من حيث ولائهن ووفائهم واحتمالية تلاعبهم بها، تمامًا كما فعل كولفيلد في نوايا من حوله. وبالرغم من كل ما مرت به آستر ووقع محاولات انتحارها ومكوثها في مستشفى الأمراض العقلية وتأثير ذلك بعلاقاتها مع الآخرين، ألا أن موقف والدتها منها لم يتغير منها قيد أنملة، حيث أستعربت من ابنتها إن كان هناك من شيء قصَّرت فيه تجاهها، وأعلمتها اخيرًا بطيب موقفها تجاه ما جرى مُعتزمةً افتتاح صفحة جديدةٌ مع ابنتها.

ربما كان لآستر في بُعدٌ آخر مصيرٌ أفضل من ذلك. لربما شخصت بالاكتئاب قي وقت مبكر وفُتحت أمامها ابوابٌ تتخير منها سواء من العلاج المعرفي السلوكي أو العلاج الكيميائي أو لربما شكَّل لها الدعم الإجتماعي والعاطفي شيئًا من الاقتراب للامتثال.
لربما تنبهت أن تفحص اجهزتها الحيوية ومعدل الفيتامينات والمعادن في جسدها
مُتخذةً إجراء نحو ما عرض بها. لربما أصحبت الكاتبة التي تطمحُ أن تكونها والزوجةُ التي تخيلت أن تكونها، ولربما كانت الأمور تسير بشكلٍ مختلف تماما عمَّ جرى

روايةٌ جيدة، تمامًا كمختلف الروايات التقدمية حين نتتبعُ نجم أحدٍ من الشخصيات منذ سناها حتى أفولها، آخذين في الاعتبار أنها قصةٌ حُكيت من بين ألف قصةٌ لم تُحكى، وأن الحياةُ بتعقيداتها وتناقضاتها ما مُثِّلت في شيء من التدوينات البشرية تمثُّلها في إدراكنا الكلي لها أنها غير قابلةٌ في الاختزلل المُجرَّد للكلمات.

اترك تعليقًا

Please log in using one of these methods to post your comment:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s