تراهات طالبٌ متخرج

تراهات طالبٌ متخرج.. بالأمس انهيتُ آخر اختباراتي التي كانت تفصلني عن الإنتهاء رسميًا من آخر مراحل التعليم الأساسية.. خُضتُ الإختبارات بوعي نصف حاضر وعين نصف مغمضة وعقلٌ يفكرُ أكثر من اللازم تعرف أن ما يقومُ عليه الواقع المادي إنما هو تغذيهِ علينا وعلى خصوعنا له والإنخراط فيه أليس كذلك؟ لا يزرعُ النظام التعليمي اي قدرات او ملكات على بناء أي مهارات حقيقة عوضًا عن إستيفاءه لمعاييره المحدودةُ في الحفظ والاستذكار.. وجدتني في كل محاولةٍ للخضوع لسلطانه إنما هي محاولةٌ مستجدةٌ لإخمادُ ضجيج عقلي وحثه على الحفظ، فلم أكن أرى أنهُ من سبيلٍ لعقلي أن يستوعب المعرفةُ بحفظها أو أن أضع على عاتق نفسي مهمة الاستذكار تكيفًا مع التعليم المدرسي.. كان هذا قرابةُ شهرٍ من الآن.. أما عن الآن وقد مضى على تخرجي واستلامُ ملفي وإكمالي لآخر مراحل التعليم الأساسية ستة عشرَ يومًا تقريبًا منذُ أن ذهبتُ إلى مدرستي آخر مرة حتى أستلم ملفي. كانت سنواتٌ حافلة ومُجهدة بالقدرِ نفسه. لإنني لم أتلمس طريقًا للنور حتى تصلُ إليهِ مداركي إلا متأخرًا. لإنني لم أنفض عني رثاثُ أفكاري وعدائيتي للمجتمع وللواقع التعليمي ذاك إلا حين شارفتُ على إنهاء مراحل التعليم الأساسيةُ كلها. ذلك أنني كُنتُ في تخبطٍ وتساؤلٌ وجوديٌ في أمري من جدوى المدرسة كمؤسسة تعليمية إن لم تكن لتهدف لا إلى التعليم ولا إلى بث روح الشغف والمعرفة في الطالب ولا إلى توجيهه إلى قدراته الحقيقة ولا إلى إكسابه أي سلوكات أو تصرفاتٌ حميدة. ما جدواها إن كانت جُلُّ ما تفعلهُ هي قدرتها على تلقينك ما تستطيعُ أنه تلقنهُ نفسك في منزلك ثم تختبرُ مدى إتقانك ذاك لعددٍ من المهارات المحددة سلفًا وقدرٌ محددٌ سلفًا من الفضاء المعرفي؟ ما جدوى أن تُقدم أفضل ما لديك أو أن تُحرزَ تقدمًا ملحوظًا في درجاتك الأكاديمية أن كانت لا تعني ابدًا أنك مُتمكنٌ فعلًا وعارفٌ بما درست واستذكرت بل ولا تملكُ لا الشغف ولا التقدير الحقيقي للمعرفة كبنية معرفية؟ وبعد كل هذا، من لهُ الأحقية في قياس ما إذا كانت رغبتك في المعرفةُ تتملكك فعلًأ أم أن ذلك الحماس للإستمالةُ الحياةُ الإقتصاديةُ المتسارعةُ التي نعيشها إليك هو الذي يغلبُ عليك؟ كُنتُ أجدُ أفكاري تلك تخنقني وتثيرُ حنقي تجاه النظام التعليمي وتجاه النخبةُ من الناجحين وأرى في ذلك تشابهٌ مع الفيلسوف الروسي “نيكولاي برديائيف” حين قال في كتابه الحلم والواقع “فالشخص المغرور يمكن ان يشعر بالانسجام مع العالم المحيط به، ويستطيع في الواقع ان يندمج في مشاغل المجتمع، وان يكون واثقًا من مكانه ومركزه وأهميته في هذا المجتمع، أما أنا فلم أكن أتمتع بمثل هذه الثقة، ولم تكن لدي مثل هذه المشاغل وكنت سيء التكيف مع المجتمع، نافرًا من احتلال أي مركز فيه” ما كان يُثيرُ بلبلاتُ عقلي الداخلي حقًا كان النظامُ اللذي لأجلهِ يسعى ويتهافت العالم إلى نيل الدرجات العلى او الأعلى من الشهادات الأكاديمية، الأجلِ المسمى الوظيفي؟ ألاجل جمع القدر الأكبر من المال؟ أليس لطبيعة الواقع الإجتماعي والإقتصادي السمةُ الأكبر التي تعزز صورٌ من قبل التنافس على الموارد البشرية ومن صفوة القوم ممن يُظهرون تفردًا ومهاراتٌ يظهرُ أن سوق العمل الحديث يحتاجها حتى تكتملُ عجلةُ دورانه؟ ناهيك عن القولبةُ الفكريةُ التي تضعك المدرسةُ فيها غير مهيئةً لك طريقًا للخروج عنها أو المنهجية المصمتة التي تُدرسُ بها العلوم إلى يومنا هذا. بالرغم من كل ذلك لم يكن لعقلي أن يخضع ولا لينخرط في مسايرة تلك الدائرة وربما هذا ما عزاني نحو انتهاج سُبلِ التنقيب عن الحقيقةِ والتعلم الذاتي مستعيضًا عنه بالعمليات الميكانيكية من الاستذكار والحفظ التي يزاولها النخبةُ من المتفوقين. وهذا مما قادني إلى بصيصٍ من للنور. ذا ما أمعنت النظر في طُرق سير العالم لوجدتهُ فعلًا يصبُ في مجرى سياسةُ الإستهلاكية، أو إذا ما قرأت الحد الأدنى من كتب نعوم تشومسكي لتملكك تصورٌ عن مدى خضوع المؤسسات التعليمية لسلطان وأيدلوجيةٍ معينة ولأمكنك رؤيةُ الصورةُ الكبرى من كل ذلك. لكن ما إن تتوقف وحتى تنظر نحو وقعِ قدميك وتنظر إلى الموضوع ببساطةٍ متناسيًا هم من يحملُ على كتفيه طاحونةُ الإنتاج الفعلي، فقط لو توقفت وتحليت ببعض البساطة. لا بأس باستذكار المعلومات مادمت تستيطع إكساب معرفتك طابعٌ تطبيقي خارج إطار المدرسة. قد تكون مطالبٌ بمجاراة النظام التعليمي والإمتثال في صفوفه لكن بوسعك أن تضيف إليه إسهاماتك الخاصة أو بإمكان شغفك ورؤاك الخاصة تجاه مجالات تعلمك أن توجهك نحو طريقً أقل مشقةٌ من الإستذكار المُشبع بروح الأسئلة العبثية والوجودية عن جدوى ما تفعل. لا بأس بفرض القيود التعليميةُ على فئةُ أعم من المجتمع طالما بأن الجميع ليس بساعٍ إلى مجالاتٌ إبداعيةٌ أو آفاقٌ أوسع تتجسدُ فيها إبدعاتهم بل ولا يُطالبُ الجميع بذلك ولا يضيقُ الخناق كذلك على طالبي الإبتكار والإبداع في الفرص التي تترائها لهم. أشترِكُ وصديقي في نفس الأفكار الوجودية حول جوهرية المنظومة التعليمية غير أنني تخطيتُ شكوكي تلك ولبث صديقي متثبتًا بعدائيته تلك، حتى أذكرُ أنهُ في آخر أيامي قد نال إلى سمعي حديثُ معلمةُ اللغة العربية وقد قالت أنني حققتُ فردانيتي الشخصية في وقتٍ قصيرٌ نسبيًا منذ أنتقلت إلى محيطي الجديد، بينما صديقي لم يفعل، وظل يُخفي إمكاناته وما بإمكانهُ فعله حتى آخر لحظاتنا، مُظهِرةً أشد صور التأثر البالغ والأسى الحقيقي مُرددةً شطر بيتٍ يقول

ولم أرَ في عيوبِ النَّاسِ شيئًا *** كنقصِ القادرين على التَّمامِ

 فليترفع القادرون على التمام عن شعورهم بالإنخذالية والمحدودية تجاه واقعهم ولينهضوا لأنفسهم قبل كل شيء، مؤمنين بما يمكنهم فعلهُ وتقديمه متداركين أن الأمر يقعُ تحت مسؤوليتهم الشخصية تجاه أنفسهم ومجتمعاتهم كذواتٍ مستقلة في أن يتداركوا ويتجاوزا العقبات التي تواجههم غير آيلين الأمر إلى سوء ظروفهم الخارجية او سوء سُخراها لهم. فإنسانُ اليوم مُطالبٌ بأن يتشارك في مسؤولية تعلمهُ الذاتي، إذ لم تُصبح المدرسةُ ولا المعلمُ هما الوسائل. بل أصبح الإنسان مركزُ كل ذلك وعليهِ تقعُ مسؤوليةُ توجيه طاقته وقدراته في مايجيدهُ من المجالات، مُعتبرًا المدرسةُ أو المؤسسةُ التعليميةُ مُجردُ بوابةٌ يعبرُ من خلالها وقد نما إلى سمعهِ ضروبُ المعرفةُ المتنوعةُ بجميعِ أشكالها ويُحتمُ عليهِ فيما بعدها إتخاذ قراره الخاص اللذي لن ينهض أحدٌ لإتخاذهِ له إلا هو. وقد لاحت صُورٌ أخرى من صور توجيه الإمكانيات الذاتية التي لم تكن أسلافنا ليحظوا بها ظاهرًا أن للحداثةِ منافعها بعد كل شيء. في تلك المقالة أعرضُ أفكاري الخاصة عن التعليم في مقالةٍ مكتملةُ دون المقالات الأربع السابقة التي تناولنا فيها قضية التعليم من نواحٍ مختلفة، فليست قضية جوهرية كقضية التعليم تقفُ عند هذا الحد.

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s