العلاج النفسي، هل يصلح لمن يعرف خفاياه؟

تكمن الفكرة الأساسية في طبيعة العلاج النفسي في إنقسامه لقسمين، علاجٌ معرفيٌ وسلوكي يكون عن طريق التخاطب وتصحيح المبادئ والأفكار السوداوية، وعلاجٌ كيميائيٌ دوائي عن طريق الدواء الذي يصرفه الطبيب لمريضه، لكن هل عيادات الطب النفسي لدينا تُدرك حثيثات التشخيص النفسي ونظريات فرويد في التحليل النفسي؟ وهل مجتمعاتنا الحديثة برأسماليتها الحالية تعبئ بالعلاقة الروحية والإنسانية بين الطبيب ومريضه على النفع المادي جرّاء أجرة الأستشارات التي تتجاوز الخمسين دولار لكل جلسة أسبوعية؟ وما هي قانونية مشاركة وتصدير معلومات مرتادو العيادات النفسية للدولة والسلطات وكل من عداهما؟ دعنا نأخذ الموضوع بشيء من التشعب فيما يخص اللغة وتأثيرها وطبيعة عمل الطبيب النفسي وتواطئ واقع صناعة الأدوية الحديثة على العلاج المعرفي وأخيرًا انعكاس ذلك كله في الثقافة الشعبية التي كثيرًا ما تُصور العديد من الشخصيات في المجالات الأدبية والفنية.

  • اللغة، القيود التي تفرضها وسلطتها 

لا شك أن للغة وقعها وتأثيرها المباشر المتصل على مُستخدمها، وبالحديث عن التشخيص النفسي لطالما كانت التسميات والقوالب شرك يقع ضحيته الفرد إذ يُصعَّب التعريف التشخيصي على الأشخاص أن يروا أنفسهم أسوياء في معزل عن التسميات والتعاريف التي يخطها الدليل التشخيصي الإحصائي عن مشاكلنا  التي تعتمد على الأحكام الذاتية التي تتأثر بسهولة بتلك التسميات التي يطلقها الدليل الاحصائي التشخيصي للاضطرابات النفسية.

  • الطبيب النفسي، أول حلقة بين المريض والتشخيص

الطبيب النفسي هو الحلقة الأولى بين المريض وعالم الطب النفسي، ومن المحزن أن يكون الطبيب مدفوعًأ بالنفع المادي عوضًأ عن اهتمامه  بالحالة الصحية الحقيقية للمريض، فنرى أغلب الأطباء يصرفون الدواء من الجلسة الأولى التي تسمى “جلسة الرعاية الأولية” لتي لا تتعدا السبع دقائق والتي من المفترض بها أن تكون علاقة تبادل للثقة وللمعلومات عوضا عن التشخيص الفوري الذي يحتاج إلى الخبرة. ويعزو ذلك أن الأطباء اللذين ينتهجون الأسلوب المعرفي السلوكي بالتخاطب والكلام لا تصل أرباحهم لمقدار ما يجنيه الأطباء اللذين يصرفون العلاجات الدوائية في الجلسة التي تمتد إلى نحو 45 دقيقة. 

  • سوق صناعة الأدويه

بدأت مادية سوق صناعة الأدوية النفسية يطغى كثيرًا على رسالة العلاج النفسي المعرفي والسلوكي اللذي أسهم في إنتاجه العديد من أعلام علم النفس أمثال فرويد يونغ وغيرهم، مما بدا أن رسالة العلاج النفسي المعرفي بدأت تضمحل بغزو شركات تصنيع الأدوية النفسية للأسواق التي استفادت من المعدلات الضخمة من نسب الإضطرابات النفسية المتفشية في المجتمع مما أدى إلى توسع سوق شركات الأدوية وتوسيع التركيبة السكانية التي تتضمنها تلك الأدوية مثل تضمين الأطفال في الصورة للترويج لإضطراب تشتت الإنتباه  وفرط الحركة أو تضمين كبار السن كذلك في الصورة للترويج مضادات الذهان.

  • الصورة الشعبية للإضطرابات النفسية في الوعي الجمعي 

لا شك أن ترسيخ صور الإضطراب النفسي في وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة الآن بات السمة الأوسع انتشارًا لترسيخ وبناء قبول شعبي أو إدراك للمرض لفئة أوسع من الجمهور فتارةً ما تصورُ السينما الحديثة أحد شخصياتها كمريض نفسي مما يؤدي إلى تشويه وتحريف صورة المرض النفسي أكثر مما تسهم في تحسينه، وذلك بإظهار السينما  للقوالب النمطية عن الشخصيات ذوي الإضطرابات النفسية مما يبدون حقيقة في العالم الحقيقي في ثلاثة أمثلة ُصارخة

  • العلاج النفسي كمفتاح لإستغلال جماح الرغبات البشرية

tumblr_pe3y5frAqk1t52mf4o4_500

صور العلاج النفسي في المسلسل الدرامي الحديث “هانيبال” بطريقة برغماتية يستفيد منها المحلل النفسي من ضحيته لتوجيه أفكاره وتحويرها لقيادته للجزء الكامن والخافت من نفسه، الذي لا يعتبر بالضرورة ذلك الجانب الخيّر والنقي الذي يطمح الجميع للوصول إليه، بل ذلك الجانب الذي يستشيط جماح الرغبات الإنسانية الكامنة والدفينة في أعماق كلُ فرد منا؛ إنسان الغابة. ويعتبر التوجيه النفسي بشكلٍ أو بآخر الوسيلة الأخطر للقيادة السيكلوجية للفرد وللمجتمعات وللشعوب عمومًا.

  • التحايل على المُعالج النفسي عوضًا عن الخضوع له 

giphy

في مثالنا هنا لا يكون “إيليوت” بطل مسلسل “Mr. robbot” الضحية تحت قيادة محللٌ نفسي عبقري، ولا المنقاد تحت تحلبلاتُ معالجه، بل يكون هو ذلك المحلل النفسي العبقري الذي يلج إلى عقول مُعالجيه النفسيين ويجد الثغرات في عقولهم ليكتشف كيف تجري صحتهم النفسية عوضًا عنه، وهو من يُصارع إدمانه للمخدرات الذي يفصلُ بينه وبين جنون أفكاره.

  • عندما تبسق في وجه المعايير الإجتماعية

tenor

ويل” بطل فيلم Good will hunting الذي يجدُ نفسه عبثًأ وقد أُقتيد إلى جلسات العلاج النفسي بسبب نعتهُ بالجنون من قبلِ جهاةٌ معينة وذلك لتطلع قدمًأ لشيءٌ حقيقي، أكثر أصالة وأقل زيفًا وتملقًا من العالم اللذي يعيشُ فيه ويعاديه،  ينتهي بكل معالجيه النفسيين في مُحاولةٌ منهم لسبر أغواره إلى شَق الجيوب والإنهيار العصبي من حالته المزاجية الساخرة والعدائية للمجتمع التي بها من الصلابة او لنقل من المعرفة ما يجعل من فكرة جلسات العلاج النفسي ليست بالخيار الأفضل له على الإطلاق.

يرى ميتشيل فوكو في كتابه “تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي”  أنهُ كان ينظر للمرضى النفسيين على حد مصطلحاتنا الحالية بكونهم “مختلفين” ويظهرون حسًا من الحكمة والمنطق عوضًا عن نعتهم بالمرض أو الجنون ومحاولة استصلاحهم أو عزلهم عن المجتمع. الطبيعة البشرية بتعقيداتها وسماتها الخاصة مستقرة ومرنة، ربما كان جاك جان روسو مُحقًأ في أن الوتيرة المتسارعة لحياتنا هي ما سببت لنا العزو المتزايد نحو الكمال والتطلع لأهداف وتوقعات عالية هو ما سبب لنا القلق الذي غالبًأ ما يترجم على هيئة مرض نفسي بسبب عدم مقدرتنا تحقيقه. لكن أيًأ من تلك الإنفعالات الإنسانية ليجب أن يفرقُ بين حالة مزاجبة دائمة وأخرى مؤقتة.

-المصادر

https://health.usnews.com/health-news/health-wellness/articles/2015/04/16/how-mental-illness-is-misrepresented-in-the-media

Knowledge & Education: Michel Foucault, “Philosopher of Power”

اترك تعليقًا

Please log in using one of these methods to post your comment:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s