مستقبل العلوم الإنسانية في الوطن العربي

steve-cutts-illustrations-art-todays-world-society-12.jpg

لا يخفى على أحد الدور المهم الذي تلعبه العلوم الإنسانية في مسيرة تطور الحضارة الإنسانية لكن لا يخفى على أحد كذلك تزعزع دورها الحالي في ظل المجتمعات الاستهلاكية وفي الوطن العربي خاصةً: إذ تتراجع التخصصات الانسانية والادبية مثل التاريخ والأنثروبولوجيا وعلوم اللغة والدراسات الأدبية وما إليها لتقبع في آخر الصف, بل وينظر إليها بوصفها عبئا على الاقتصاد والإدارة بسبب عبارات مثل متطلبات سوق العمل وواقع المجتمع الاستهلاكي الحديث الذي يحتاج الى عدد قليل ممن يبقون العجلة تتحرك وأكثرية ممن يجعلونها تتحرك بسرعة وإتقان لكي تدر ذهبا, لكن ما الذي أدى إلى هذا الوضع؟ هل هي احتياجات المجتمع التنموية؟ أم هي طبيعة التخصصات؟ أم هي الحال التي وصلت إليها تلك التخصصات لتصيرها غير قادرة على مجاراة الاحتياجات المجتمعية؟ لم في الولايات المتحدة مثلا او بعض الدول الاوروبية الكبرى يجد المتخصصون في الانسانيات فرصا للعمل لن تتوفر لهم في مجتمع تهيمن عليه المصلحة الربحية سواء أكانوا موظفي قطاعات حكومية أو قطاعات تجارية خاصة في بلداننا العربية مثلا؟  لكي نجد اجابة عن تلك الأسئلة لابد أن ننظر في الوضع الحضاري العام الذي نعيش فيه بمختلف جوانبه و علينا النظر في ثلاثة اتجاهات رئيسية. الجوانب الثلاث التي تقاطعت؛ الخط الأول هو الخط التقليدي القادم من الموروث, والثاني خط حداثي تشكل بمقتضاه الكثير من بنانا السياسية والاقتصادية ولاجتماعية والثقافية والخط الثالث ويعرف بمرحلة مابعد الحداثة, وتلك الخطوط الرئيسية تساعدنا لفهم الوضع بشكل أوسع.

  • الجانب التقليدي

على الرغم من سعينا الدؤوب إلى التوغل في عالم استهلاكي, ألا أننا ما زلنا في مجتمع تهيمن عليه أو تؤثر فيه على الأقل قيم دينية وأخلاقية مستمدة من بنيات عقدية أو اجتماعية متوارثة تجعل التماسك الاجتماعي والاقتصادي ضروريا حتى وإن أدى إلى بطالة مقنعة ناتجة عن توظيف من لا تحتاجهم عجلة الاقتصاد والإدارة. ومن هنا كانت الدولة في مجتمع نامٍ كمجتمعنا موظفًا رئيسًا, بل الموظف الرئيس, على عكس ماهو الحال في مجتمعات رأسمالية يهيمن فيها الربح وتطالب فيها الحكومات بالتقليل من حجم حضورها في أسواق العمل.

  • الجانب الحداثي

إن الحداثة التي تركت أثرها في حياتنا لم تكن من العمق والاتساع بحيث تنتج تقاليد بحثية ومؤسسات علمية قادرة على العمل بمقتضى تلك التقاليد ويمكن من خلالها للعلوم الإنسانية أن تزدهر بالقدر الذي يحتاجه المجتمع وتقتضيه عملية التحضر. أو, لو نظرنا إلى الوجه الآخر للعملة, سنجد أن تلك الحداثة لم تنتشر بالقدر الذي يجعل المجتمع بحاجة إلى ما يمكن للعلوم الإنسانية أن تقدمه لخدمة النمو الاجتماعي والثقافي وغير ذلك من جوانب الحياة. لا العلوم الإنسانية تطورت بالقدر الذي يحتاجه المجتمع ولا المجتمع اكتسب الوعي بحيث يحتاج إلى تلك العلوم. المخطط الاجتماعي وواضع السياسات في الأجهزة المعنية بمشكلات المجتمع لم يشعر بعد لحاجته الماسة إلى باحثين ومنظرين اجتماعيين يسهمون في تقديم رؤى علمية وعملية أساسية لعملية التخطيط ووضع السياسات.

  • الجانب مابعد حداثي أو سائل

وهو جانب التدفق المعلوماتي عن طريق الإنترنت والاتساع الهائل لشبكات الاتصال والتواصل التي أربكت الحدود التقليدية بعولمة الأنظمة على اختلافها وتبدلت نتيجة هذا التغير النظريات والمفاهيم وتضعضعت المؤسسات التقليدية لتزداد الفجوة بين تخصصات استقرت واحتياجات مستجدة تتطلب أجهزة نظرية ومصطلحية تواكب التغيير ونرى أن الإنسانيات التي تنهض على قيم تقليدية تواجه أزمة استجابة تلك العلوم لاحتياجات سوق العمل في البيئات الحضارية التي تنامت فيها تلك العلوم  واكتسبت صيغها المعرفية والمنهجية.

المصادر

1- هموم العقل

2- لقاء ثقافي بعنوان: (الدراسات البينية ومستقبل العلوم الإنسانية)

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s